الشيخ نحناح وراء تعايش الإسلاميين مع الجيش في إندونيسيا
يكشف الدكتور أنيس متّى، رئيس حزب الحرية والرفاهية، في الجزء الثاني والأخير من حواره مع”الشروق”، كيف استفاد الإخوان المسلمون في إندونيسيا من رؤية وتوجيهات الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، للتعايش مع المؤسسة العسكرية، لتتحول العلاقة مع الجيش من صراع مرير ومؤلم طيلة عقود، إلى شراكة وطنية، في إطار التنازل والتعاون.
ويقدّم نائب رئيس مجلس الشعب الإندونيسي سابقا، خريطة طريق لتمكين مشروع “الإسلام السياسي”، في ضوء التجربة التاريخية للإسلاميين، وقواعد اللعبة الدولية القائمة اليوم .
انطلاقا من المعوقات التي تحول دون تحقيق المشروع السياسي، ما المطلوب من الإسلاميين للتأقلم مع الغرب…؟
أول شيء ينبغي أن يبدأ به الإسلاميون بعد مجريات الربيع العربي، هو أن يخرجوا من المنظور المؤامراتي في تفسير الأحداث، لأنه يغرس حالة تبرير الأخطاء بفعل الغير، مع أن المؤامرة موجودة، لكن يجب أن توضع في إطار المنظور الهندسي.
ماذا تقصد بهذه الفكرة..؟
أقصد أن يطور الإسلاميون عقلية الهندسة في تفكيرهم، فهم يملكون منظومة قيم، سيواجهون عقبات في طريق إنزالها الزماني والمكاني، وبالتالي يجب النظر إلى المؤامرة كجزء من تلك العقبات ، لكنها ليست كلّ العوائق، إذ لا يمكن تبرير الأخطاء بأفعال الغير، بل علينا أن نسأل أنفسنا، لماذا نجح الآخر في تمرير مخططاته تجاهنا، فلا بدّ أن هناك أسباب ذاتية أو بيئية تسمح بتحقّق المؤامرة، إذن على الإسلاميين أن يفكروا بطريقة هندسية في تفسير الأحداث.
إذن الأولوية الأولى هي التخلص من نظرية المؤامرة، ماذا عن باقي الاحتياجات..؟
الشيء الثاني هو أن يدخل الإسلاميون مرحلة تطوير التوظيف، بمعنى النظر إلى الأشياء على أنها جميعها ممكنة التوظيف في إطار خدمة الأهداف، بما فيها القوى الغربية، وهذه العقلية تفرض عليك أن تكون أقوى من مشاكلك، على المستوى العقلي والنفسي، فقد تكون التحديات أكبر من حجمنا، لكن حينما نواجهها بثقافة التوظيف، فسوف نجد أن هناك منافذ ومخارج لحلحلة هذه القضايا، وتجاوز كافة العقبات الميدانية.
أما الشيء الثالث فهو تطوير العقلية التجريبية لدى الإسلاميين، لنأخذ النموذج التركي مثلا، إذ تراجع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، لكنه عاد سريعا بصورة أقوى، معنى ذلك، أن تنظر إلى التجارب على أنها ممارسة قابلة للدراسة والتطوير، وبهذه الطريقة يجب النظر للعلاقة مع الغرب، وعليه، نحتاج أن نفهم أكثر عقلية القوى الدولية بشأن الطبيعة التي تحدد تعاملها مع الإسلاميين، حتى نعرف المداخل المنطقية في التعاطي معها.
والشيء الرابع الذي ينقص الإسلاميين، هو تنمية النزعة أو القدرة التحالفيّة مع الآخرين، لذا وجب أن يدركوا أنّ العالم ككل يعاني من قضايا شائكة، عجزت حتى الآن المنظومة القيمية والأيديولوجية في تسويتها، وهذا يكفي ليكون مدخلاً في تجديد صياغة المشروع السياسي للإسلاميين، بشكل يمكّنه من المشاركة في حلّ القضايا الإنسانية المشتركة، ومثل هذا التوجه يقتضي إيجاد مساحة لتطوير القدرة التحالفيّة ضمن المسائل المشتركة، ليس فقط في الإطار القُطري، بل على الصعيد العالمي.
بخصوص الفكرة الأخيرة، هل استفدتم من تجربة الشيخ نحناح رحمه الله ، والذي يعدّ رائد المدرسة التشاركيّة في الجزائر…؟
زار الشيخ نحناح رحمه الله إندونيسيا مرة واحدة، وفي لقائنا به، كان يؤكد لنا على “الحوار ولو مع الشيطان”، وقد استفدنا من تجربته وحكمته في رؤيته لمؤسسة الجيش، فقد قال الشيخ نحناح لقيادات حزب العدالة والرفاهية، ” إذا رأيتم الجيش يفترق مرة، فثقوا أنه أقدر المؤسسات على التماسك من جديد، فلا تستخفّوا بها”، وهذا ما فتح لنا آفاقًا جديدة في ضرورة الخروج من عقدة الانتقام، خاصة أنّا كنا نعاني من مشكلة تاريخية، وهي تجربة سجن وتعذيب لمؤسس الجماعة، وعند ميلاد الحزب، كانت عصابة الجيش لا تزال على قيد الحياة، وأيضا هناك معتقد داخل منظومة الفكر العسكري الاندونيسي أنّ أهم المهددات الأيديولوجية لمؤسسة الجيش هما : الشيوعية والإسلاميين، بحكم التجربة المسلحة مع الدولة، فظلت هذه الرؤية في عقيدة الجيش، كمصدر تهديد للوحدة الوطنية، ويعتقدون أن حزبنا امتداد للحركة الإسلامية المسلحة، لكن وفي المقابل، هناك مشكلة أخرى تواجهها الدولة، حيث أنّ المتغيرات العالمية والبيئة الإستراتيجية في البلد أفرزت مشاكل جديدة، أبرزها نهاية الدولة القطرية في عصر العولمة، فنحن نرى أنه يجب علينا التخلص من عقدة الانتقام، وأنْ نكون ايجابيين في استغلال الفراغ الأيديولوجي ، لنشارك في ملأ الفراغ ومساعدة الجيش على الخروج من عقدة الإسلاميين، وأنْ يعتقدوا أنه بإمكانهم المساهمة في المرحلة الجديدة للبلد، وبناء على توجيهات الجيش نحناح، فتحنا حوارا مطولا مع مؤسسة الجيش، أفضى في نهاية المطاف إلى الاتفاق على التفاهم الكامل على التعايش والتعاون، لذلك نجحنا في عملية بناء الثقة بين الطرفين، وفي الأخير عقدنا اجتماعا بين مؤسس الحزب (الضحية) وقيادات الجيش (الجلاد) ، بهدف نسيان الماضي من أجل الحاضر والمستقبل في إطار القضية المشتركة.
نعود من التجربة الإخوانية الإندونيسية إلى الوضع العربي، إلى أين تتوجه الأحداث برأيك من المنظور الإستراتيجي…؟
أولا..يفترض الآن أن تتشكل قناعة لدى الجميع، بعد خمس سنوات من التجربة المريرة، بحيث تتوحد النخب العربية على إخراج المنطقة من بؤرة التوترات الدولية، ثانيا، أن تدرك كافة الأطراف أن لا مستفيد من هذه الصراعات، ولا منتصر في النهاية، بل الخراب والدمار سيأتي على الجميع، وبالتالي عليها أن تتوافق على خطة للانتقال الديمقراطي المؤسسي، ما يفرض وعيا عاليا بالمسؤولية، وأهمية القابلية للحوار، والعمل في إطار المؤسساتية.
أما الأمر الثالث، فأرى من الضروري، إعادة بناء الثقة، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، فأي محاولة للخروج من الصراعات الدامية الآن، لن تتم إلا عبر .
والأولوية الثالثة، فهي بناء القدرة التحالفية التي أوردناها سابقا، وما يساعد على ذلك هو الخروج من صراع الهوية إلى درجة أقل، وهو المصلحة، وهي أسهل في طبيعتها في جلب الأطراف، إذا اتفقنا على المصالح المشتركة، يمكن بعدها بناء أرضية أيديولوجية مشتركة، وبذلك تزول كل الحواجز القائمة بين التيارات.
في ذات السياق المتعلق بالهوية والمصالح، وضمن الصراع المحتدم بين الرياض وطهران، يرى مراقبون أن ملاحقة السعودية للإخوان، كأكبر تيار سياسي/ اجتماعي سنّي في العالم، لا يخدم صراعها مع إيران، كيف تنظر للقضية…؟
فيما عدا الوضع اليمني، أعتقد أن الصراع بين إيران والمملكة السعودية مرتبط بأحلام الإمبراطورية، وهذا ما يجب الوقوف ضدّه، لأنّ أيّ تمدد بسبب الأحلام سينتهي إلى تخريب الدولة ذاتها، ونحن في إندونيسيا عشنا هذه التجربة مع ماليزيا، وفي هذا العصر، لا يهم حجم الدولة، إنما يهم هو طبيعة العلاقة التي تسمح لكل طرف بالبقاء والنموّ، وبالتالي يجب أن نحوّل التنافس بين الدول، من صراع على البقاء إلى منافسة على القيادة، ما سيجعله منتجًا إلى حد كبير، و يزيل كل النزعات التدميرية التي تحكم إدارة الصراع.
نأتي على أزمة النفط التي تعشيها الدول المنتجة في الأشهر الأخيرة، هناك تفسيرات متضاربة بين الاقتصاد والسياسة، ما علاقة الصراع الدولي بهذه الأزمة…؟
هناك أسباب موضوعية وأخرى سياسية بشكل كبير، فمحدودية الموارد الطاقوية التقليدية دفعت بالدول إلى البحث عن مخارج مستقبلية، فالولايات المتحدة الأمريكية وحدها تستهلك ربع الإنتاج العالمي، وقد عاشت مثلا تجربة عصيبة في عهد الملك فيصل رحمه الله، على وقع الحرب العربية الإسرائيلية، ما أدى بتلك الدول المستهلكة لإنتاج طاقات متجددة، هذا إلى جانب الركود الاقتصادي في الصين كأول مستهلك للنفط، لكن توجد عوامل سياسية مرتبطة بالصراع بين القوى العظمى، غير أن ما يهم في الأزمة، هو ضرورة الذهاب نحو الاقتصاد المتوازن، وتنويع الموارد المالية وفق إمكانات كلّ بلد، أند ونسيا مثلا عانت من هذه المشكلة في نهاية السبعينات، فقد كانت تنتج ما تنتجه الجزائر اليوم من النفط، لكن القائمين على التخطيط الاقتصادي، أدركوا محدودية الموارد النفطية، وضرورة تنويع أبعاد التنمية، حيث ركزت البلاد على قطاعات الفلاحة والصناعة، لنجني ثمرات هذا التحول بعد عشرين سنة.
نحن اليوم على أبواب الأزمة المالية، بفعل انهيار أسعار النفط، كيف يمكن أن تساعد أندونسيا الجزائر ، على ضوء تجربتها الاقتصادية…؟
هناك رغبة قوية لدى رجال الأعمال للاستثمار في المنطقة ككل، وعلى رأسها الجزائر بحكم الروابط الحضارية والتاريخية المشتركة، فيجب أن تبدأ الحكومتان، وعلى مستوى رجال الأعمال، بوضع خطة في الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية، هناك فرصة مهمة في قطاع الزراعة والتعدين والصناعة بشكل عام، هذه المجالات الثلاث يمكن أن تكون موضوع شراكة ناجحة ، فالمتعاملون الاندونيسيون يرغبون كثيرا في الاستثمار بالمنطقة، لكن العملية تحتاج إلى التسويق والتشجيع على دخول المنطقة، لذا أدعو الحكومة الجزائرية والمستثمرون الجزائريون إلى التفكير بجدية في هذا الاتجاه، ولا نكتفي بمجرد التبادل التجاري بين البلدين، بل علينا الارتقاء إلى مستوى الشراكة الاقتصادية الكاملة.