الرأي

الشيعة والحوار الغائب؟(2)

عدة فلاحي
  • 3471
  • 10

رغم ما قيل بأن السيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة لم يكن راضيا على مستوى العرض الثقافي حينما تم تنظيم طبعة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية إلا أنه لا يمكن القفز على إيجابيات هذه الفعالية التي شاركت فيها دول الشرق والغرب في تمازج حضاري بديع كان يمكن أن يستثمر في التأسيس لثقافة الحوار والتسامح على أوسع نطاق، بين المذاهب الإسلامية من جهة وبين الديانات السماوية والحضارات الإنسانية من جهة أخرى ..

ولكن للأسف لم يتحقق هذا الهدف النبيل وإن أثبتت الجزائر التي لم تحسن الخطاب والحوار مع نفسها وذاتها من أنها متفتحة على العالم دون تعصب وعنصرية ولكن هذه الفضائل كلها تهاوت بسبب رياح الفساد المؤسساتي شوه كل ما تم تسويقه من جماليات وبطولات الجزائر وبالخصوص حينما تساهم النخبة في إشاعة ثقافة الكراهية والشقاق التي لا تخدم سوى أعداء الوطن من الخارج وهذا آية الله العظمى الإمام الخميني رحمه الله يوجه خطابه لجمع من الطلبة سنة 1980 بالقول “إن الذي أدركه وأتكهنه بمزيد من الثقة هو أن أمريكا لا تعتزم القيام بالتدخل العسكري في إيران، ولا تنوي استخدام المقاطعة الاقتصادية، وإن هي أرادت المقاطعة الاقتصادية فلن تنجح في ذلك، لكنها ستلجأ إلى أسلوب أكثر جدية، وذلك عن طريق إيجاد التصدع الداخلي وحالة العفن الذاتي بيننا..” إلى أن يصل ويقول محذرا “لا خوف من الخارج مادام الداخل لم  يتصدع،اخشوا الداخل!”، فهذا الخطاب الذي نسوقه يتحقق اليوم وكأن صاحب هذا الكلام ليس برجل دين وفقط وإنما هو رجل له رؤية إستراتيجية وخبير بالمستقبليات ولتوفر هذه المؤهلات التي نادرا ما تجتمع في رجل واحد كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، جاءته القيادة طوعا فاستطاع بكل مسؤولية وحكمة أن يخرج شعبه من ظلمات القهر إلى نور العلم والتكنولوجيا النووية التي تواجه اليوم بإيمان وثبات وتحد كل التهديد والحصار وحتى الخيانة من بعض من ينتسبون لأمتنا ونحن منهم براء مثل البرادعي وغيره من عملاء الماسونية الذين توزعوا في أوطاننا كالسرطان في شكل روائيين أو إعلاميين أو دعاة…

من عظيم الأعمال التي كانت تحسب للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي هو دعواته المتكررة ونشاطه الدؤوب من أجل إنجاح الحوار السني الشيعي والتوصل إلى قواسم مشتركة توحد صف الأمة إلا أن تداعيات سقوط نظام صدام حسين وانكماش دور جماعة السنة في السلطة لصالح الشيعة والاقتتال الطائفي الذي هندست له القوى الشريرة والجاهلة دفع بالشيخ القرضاوي وغيره من بعض العلماء  على أن يقتروا في تحركاتهم وحجتهم في ذلك أن ما يحدث في العراق هو من تخطيط ومباركة إيران ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تصاعد الموقف من أهل الشيعة والنظام الإيراني بعد فتنة الشام لدرجة أن الشيخ القرضاوي صرح بالقول إنه قد أخطأ الطريق حينما انخرط في مسعى الحوار السني الشيعي ومن أن علماء السعودية كانوا على حق حينما عارضوه في ذلك ولم يستمع إليهم !، ولكن نحن  هنا نتساءل إذا بلغ اليأس مبلغه من نفوس العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فلمن تلجأ الأمة ومن يداوي جراحها ويعالج عللها ألا يكون ذلك فرصة لأعداء الأمة لكي يمرروا مخططاتهم في الإجهاز عليها عن طريق إذكاء الحروب الطائفية والمذهبية بعدما جربت الغلو والتطرف الذي أهدر طاقة الأمة وأخر تنميتها، على العلماء والمخلصين أن يستمعوا لقول المتنبي: (إذا كانت النفوس كبارا _ تعبت في مرادها الأجسام) ولكن من منا أصبح يملك الاستعداد للتضحية والمقاومة؟

 لم يكن اللعب بورقة الاقتتال الطائفي وليد اليوم مع الاختلاف في الأدوات والوسائل التي تطورت مع الزمن، فهذا الدكتور الشيخ بوعمران يقول بأنه توقف عن المشاركة في الحوار الإسلامي المسيحي ابتداء من سنة 1983، وذلك بسبب الحملة المسعورة التي شنت على الإسلام بعد نجاح الثورة الإسلامية بإيران وانتصار الخميني ثم يضيف بأن اللقاء الأخير الذي تم “بإيفيان” كشف بأن الكنائس المسيحية على اختلافها لم تتخلص بعد من الروح الصليبية وفي كل لقاء يجمعنا بهم إلا ويرددون مسألة “ظلم الإسلام للمرأة” و”لماذا يرث الرجل أكثر من المرأة”؟ وهذه التساؤلات الخبيثة التي نقلها لنا الدكتور الشيخ هي نفسها التي يرددها بعض الذين استهوتهم الحداثة لدرجة العمالة، ولكن مرة أخرى هل بوعمران على صواب حينما يكفر بالحوار الإسلامي المسيحي في وقت ما ولسبب ما، وغيره من الذين لازالوا متمسكين بالحوار على خطأ؟ وهل من المعقول الإيمان بالحوار الخارجي للأديان والحضارات وتعطيل الحوار الداخلي بين المذاهب الإسلامية بسبب المتغيرات والحسابات السياسية والمصالح الضيقة التي أفسدت علينا ديننا؟   

.

 *كاتب وبرلماني سابق   

مقالات ذات صلة