الشّعب ضدّ الشّعب؟!
مرّة أخرى نضرب أبشع الأمثلة في التكافل والتراحم في هذا البلد، ونحطم أرقاما قياسية في الجشع والطمع، الذي صار علامة تجارية مسجلة باسم مواطنين برتبة محتالين، يتصيّدون المناسبات الدينية، ليعمّقوا معاناة الطبقة المسحوقة من الشعب، التي لم تعد قادرة على اقتناء أضحية العيد، بعدما ألهب أسعارها سماسرة الربح السريع.
سواء في رمضان أو في عيد الفطر أو الأضحى، المشاهد المقززة ذاتها تتكرّر: ندرة في المواد الاستهلاكية وطوابير مكتظة للظفر بكيس حليب، غلاء في الأسعار.. لكن العجيب في الأمر أنّ الكل يخلي مسؤوليته ويرمي الكرة في مرمى الآخر؛ تاجر الجملة يتهم تاجر التجزئة والأخير يلقي باللائمة على الفلاح، وهو بدوره يلعن الأيام التي جعلته يمارس هذه المهنة، بعدما لم يجد يدا عاملة تجني محاصيله، وفي الأخير من يدفع الثمن؟ أكيد هو المواطن البسيط الذي أصبح يصارع على كل الجبهات، خاصة عندما يجد نفسه غير قادر على شراء أضحية وقد داهمه الدخول المدرسي وما يحمله من أعباء إضافية من ملبس وأدوات مدرسية وكتب لأبنائه.
فإلى متى نبقى نردد عبارة “عيد بأي حال عدت يا عيد”؟ متى نتعلّم التضامن في ما بينا؟ لماذا أفرغنا عيد الأضحى المبارك وسائر المناسبات الدينية من محتواها؟ هل نحتاج إجراءات ردعية وعقوبات قاسية حتى نعود إلى رشدنا ونكف عن هذه الممارسات المشينة؟. للأسف مظاهر الجشع والطمع التي برع فيها كثير من التجار الموسميين، لم تنفع معها لا أجهزة المراقبة ولا العقوبات التي سنتها الجهات الوصية؛ فهذه السلوكيات التي قفزت على القيم الأخلاقية والدينية في المجتمع أضحت تتكرّر كل عام، وتزداد حدّة في ظل غياب الوازع الديني والأخلاقي لدى كثير من أفراد الشّعب، الذين بات همّهم الوحيد جني المال بأي طريقة؛ فهم ينقضون على جيوب المواطنين كلّما حلّت مناسبة دينية، رافعين راية “الربح السريع”، التي ترفرف عاليا فوق لافتات الأسعار الملتهبة.
وبالرّغم من تفعيل آليات الرقابة على الأسواق وكل ما يتعلّق بالنشاط التجاري، إلا بعض السلوكيات أضحت خارج السيطرة لأن أبطالها مواطنون برتبة محتالين لا يتورعون في السطو على جيوب الآخرين والنفاد إليها بطرق عجيبة تنطوي على النصب والتضليل والتدليس؛ فكيف يمكن لسماسرة أن يلجؤوا إلى تسمين المواشي بمادة خطيرة كي تظهر بمظهر الأضحية التي تملأ العين، ومن ثم بيعها بأثمان خيالية؟ ألهذه الدرجة ماتت ضمائر هؤلاء حتى أصبح عيد الأضحى مرادفا للصفقات التجارية المربحة ؟!.
مثل هذه الممارسات هي من صنيع الشعب وموجهة ضدّ الشّعب، الذي أصبح لا يتوانى عن إلحاق الأذى ببعضه البعض، ويقتنص جميع الفرص بحثا عن الثراء السريع، لذلك نحن للأسف نعيش أزمة أخلاق بالدرجة الأولى، ميّعت كل شيء، إلى درجة لم نعد نشعر فيها بقدسية المناسبات الدينية، التي أفرغها كثير من ضعاف النفس من محتواها.
وباختصار فإنّ الشعب الذي يطالب بمراقبة أسواق المواشي، هو نفسه الذي يضارب في أسعارها، والشعب الذي يحلم بمدن نظيفة هو نفسه الذي يترك أطنانا من بقايا الذبائح ليتعذّب بروائحها الكريهة الآخرون، فلذلك فإنّ الشّعب يعذّب الشّعب ما دام الجميع في هذا الوطن يبحث عن مصلحته الشخصية ولا يؤمن بثقافة النفع العام.