الصحافة الجزائرية وتحرير فلسطين
اتخذت عدد من الصحف العربية موقفًا قوميًا أو نضاليًا بارزًا في فترة الصعود الثوري الفلسطيني منذ السبعينيات حتى التسعينيات من القرن العشرين، فتخصصت عدد من هذه الصحف سواء الجرائد أو المجلات بالقضية الفلسطينية التي أخذت الحيز الأوسع فيها، وفي نموذجها جريدة “السفير” على سبيل المثال في لبنان (أغلقت مؤخرًا بعد 42 عامًا من صدورها)، وجريدتي “القبس” و”الوطن” في الكويت، ومثلها من صحف أخرى في العالم العربي الذي كان منقسمًا بين شرق وغرب، وبين تقدمي ورجعي، فغالب الصحف الموصوفة بالتقدمية حملت على ظهرها القضية الفلسطينية بينما تلك الرجعية أو المحافظة كانت تتعامل مع القضية كخبر إذا فرض نفسه، أو حسب موقف النظام المتغير، وإن لم يكن فهو الثانوي أو الممجوج.
في الدول ذات الطابع الشمولي أو تلك الموصوفة بالتقدمية أو الاشتراكية كانت الصحافة تابعة للنظام الذي يُعلي من شأن قضية ويقزّم ما لا يشاء من قضايا، فالصحافة بالحقيقة في مثل هذه الأنظمة هي إما صحافة حزبية تقدمية، أو صحافة القائد، وعليه تصبح القضية الفلسطينية بين أخذٍ وردٍّ لدى هذه الدول على رأي أو موقف، أو أحيانًا على مزاج القائد بعلاقته مع الخالد ياسر عرفات أو الثورة الفلسطينية، كما هو الحال في سوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن الجنوبي… آنذاك، كانت القضية الفلسطينية التي مرّت بعديد المراحل صعودًا وهبوطًا بين الاحتضان القومي أو الثوري في العالم العربي ثم العالم الإسلامي، والدول الحرة بالعالم، كانت ذات صفة مرتبطة بمنطق الحضارة الجامعة (العربية الإسلامية بكافة مكوناتها العرقية والدينية) التي ترفض التقسيم الأوربي الاستعماري للوطن الكبير ثم بعد نموّ فكرة الدولة الوطنية بدأت الأفكار تتحدد تجاه القضية من زاوية النظام الحاكم، إلى أن فتحت الديمقراطية ذراعيها في عدد أكبر من دولنا -ولو نسبيًا- لتتخذ الصحف دورًا آخر تستطيع به أن تحدد رأيها التحريري الذي يوازن بين الرأي الحرّ والمتطلبات المرتبطة بالرقابة.
في مرحلة من مراحل النمو الصحفي مقابل الضغوط الحكومية كانت الصحفُ العربية الصادرة من باريس ولندن هي الأكثر حرِّية وقدرة على التعبير عن الرأي المستقلّ، فظهرت بصماتُ عدد من الدول العربية ثم الثورة الفلسطينية على هذه الصحف.
لا نتعجّب من مسار الصحافة الجزائرية في فترة الحزب الواحد؛ فالصحف في تلك الفترات في دول العالم الاشتراكي عامة كانت تمثل التعبير عن الحزب وهو شيء متفهَّم، أما في ظل التعددية والأحزاب والحرية الصحفية فأن تتخذ دولة أو مؤسسات إعلامية موقفًا موحدًا ثابتًا من قضية كالقضية الفلسطينية وعلى رأسها قضية الأسرى فهو الذي نراه عيانًا ويوميًا من كافة الصحف الجزائرية الورقية والالكترونية فيما يتجاوز فيه الإجماعُ الكثيرَ من المتوقع.
وهكذا سار الأمر فيما يتعلق بالصحافة بين التضييق والانفتاح وبين الاستقلالية والتعبير عن الخط الرسمي أو تبعًا لمواقف القائد، إلى أن جاءت وسائل التواصل (أو التبعثُر بالحقيقة) الاجتماعي والشابكة (انترنت) فتطيح بعروش وتنصّب ملوكًا أقلّ ما يقال عنهم إنهم لا يتمتعون ولو بالحد الأدنى من المصداقية والموضوعية والنزاهة الإعلامية التي هي من أصول مهنة الصحافة أو الكتابة أو البحث العلمي. الصحافة الورقية وإثر تراجعها في كثير من دول العالم لتمدد مساحة الشابكة (انترنت) التي ربطت العالم فيما يفيده، وما لا يفيده وهو الغالب، اتخذت مواقعَ جديدة على الشابكة وأضافت لمسات الكترونية فحافظ البعض منها –بمصداقيته- على مكانته الورقية والالكترونية، وتغيَّرت الدنيا ودارت حول فلسطين والتفّت حول القضية الفلسطينية، إلا أن صحافة وحيدة جماعية وشمولية كان لها الموقف الثابت في العصور المتعددة وهي بجدارة الصحف الجزائرية.
قد لا يستغرب القارئُ الموقف الجزائري السياسي المتميز من فلسطين فيقول إن القيادة الجزائرية الوفية للشعوب المناضلة كانت نبراسًا ثوريًّا للثورة الفلسطينية فلا غرابة، ويقول لك إن ياسر عرفات كان صديقًا لرؤساء الجزائر أجمعين، ويقول لك إن العلاقة الثورية التي جمعت الثورتين غنيَّة عن الحديث بالدعم الكبير، ولا يكاد أحد ينظر إلى الجزائر إلا وتذكّر المجالس الوطنية الفلسطينية كلَّها وإعلان الاستقلال الفلسطيني فيها عام 1988م، ولا ينسى أبدًا ثباتَ موقفها، كما لا ينسى عبارة الزعيم الراحل الكبير هواري بومدين أنه مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، وعليه قد لا يستغرب الموقفَ الجزائري الإعلامي المرتبط بالسياسي آنذاك.
على عكس النظرة السطحية للصحافة التعددية اليوم، فإننا نرى الموقف الإعلامي الجزائري في ظل التعددية الحزبية انجازًا وطنيًّا جزائريًّا كبيرًا، واتجاهًا متميّزًا يوحد كل الأحزاب والتيارات التي قد تختلف فيما بينها ولها ذلك، ولكنها تقف صفًّا واحدًا أمام القضية الفلسطينية كحال قياداتها. إن الصحافة الجزائرية الحرة اليوم، والتي تتخذ موقفًا شبه موحد من التأييد غير المحدود لفلسطين وقضيتها بشكل شمولي لم يعد يماثلها في هذا الزمن الأغبر بالتتبيع البائس للصهيوني إعلامٌ أو صحافة أخرى ما بين الخليج والمحيط. نعم لك أن تتعجب أو تستغرب الانحرافات التي أصبحت تنخر جسد الإعلام العربي الذي رغم الشابكة والانفتاح الالكتروني يركضُ بعدد منه وراء السلطة، السلطة الحاكمة، ووراء الاستهلاكية و(القابلية للاستعمار) دون وعي فيتقبل إمعيته وتبعيته ودونيته ليتمايل حيث شاءت سياسة رؤسائه أو سلاطينه المرتبطين بالمهيمن الاستعماري-الاستهلاكي، دون وعي؛ فلا قداسة لقضيّة ولا حصانة لفكرة ولا ثبات لرأي كما هو الحال حين النظر من هؤلاء إلى قضية جامعة كقضية فلسطين… إلا في الجزائر. لا نتعجّب من مسار الصحافة الجزائرية في فترة الحزب الواحد؛ فالصحف في تلك الفترات في دول العالم الاشتراكي عامة كانت تمثل التعبير عن الحزب وهو شيء متفهَّم، أما في ظل التعددية والأحزاب والحرية الصحفية فأن تتخذ دولة أو مؤسسات إعلامية موقفًا موحدًا ثابتًا من قضية كالقضية الفلسطينية وعلى رأسها قضية الأسرى فهو الذي نراه عيانًا ويوميًا من كافة الصحف الجزائرية الورقية والالكترونية فيما يتجاوز فيه الإجماعُ الكثيرَ من المتوقع.
كل المحبَّة والثناء والاحترام الشديد للموقف النضالي الثابت للجزائر العظيم على كافة الصُّعد من القضية الفلسطينية، ومنها الإعلامي الصحفي المميز من كافة الصحف، ما يشكّل سلاحًا نحمله في مواجهة الخطر الصهيوني وتمدده في المنطقة، وتأكيد على تعاضد وتساند ووحدة هذه الأمة بكل مكوِّناتها حتى النصر.