الصحّ ــ آفة!
هل حقيقة أن الصحفيين والأسرة الإعلامية في الجزائر، بحاجة فعلا إلى يوم وطني، أو يوم مغاربي أو يوم إفريقي أو يوم عربي أو يوم عالمي، للاحتفال بحرية التعبير والصحافة؟ أعتقد، وقد أكون مخطئا أو مذنبا، أننا بحاجة إلى يوم للمصارحة والمصالحة والمكاشفة، حتى نضع النقاط على الحروف، ونسجل ما لنا وما علينا.
كاذب، من ينفي وجود حرية تعبير وصحافة في الجزائر، فالتجربة القديمة والحديثة، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أنّ حرية التعبير تحوّلت في كثير من الحالات والنماذج إلى حرية للقذف والتحامل وتصفية الحسابات .
كاذب، من يقول أن الصحافة الجزائرية لم تنافس أترابها عند العرب والغرب، فقد حققت مكاسب ونقاطا إضافية، وسجلت أهدافا في شباك المهنية والاحترافية، وأصبحت متقدمة في الترتيب العالمي، وهذا بشهادة منظمات حقوقية، حتى وإن مازالت ترسم في محاور أخرى صورا سوداوية.
كاذب، من يزعم بأن الصحافة الجزائرية تنقصها الجرأة والشجاعة، والسبق والموضوعية والمهنية والمخاطرة والمغامرة في نقل الأخبار والمعلومات، والتعمّق في تحليل الأحداث والتطورات داخليا وخارجيا.
كاذب، من يدّعي زورا وبهتانا، بأن الصحفيين الجزائريين تنقصهم الخبرة والتجربة بما يجعلهم منافسين أكفاء لنظرائهم في الدول التي تتبنّى كلّ ما له صلة بالحريات والديمقراطية، وفنون التحرير وتغطية الأحداث.
كاذب، من يقول بأن الصحافة الجزائرية لم تنجح في تحقيق الهدف بعد تجارب تعددية إعلامية عمرها نحو 25 سنة، كانت للمقاومة ومواجهة الإرهاب برصاص القلم، وللضغوط والخوف والتهديد ورغبة بعض الأطراف في “تكميم الأفواه” وتقليم أظافر المتمردين عن “الخط الافتتاحي!”
.. لكن، بالمقابل، كذّاب من يقول بأن كلّ شيء على ما يرام، وأن الصحافة في الجزائر حققت ما عليها، ووصلت إلى كلّ أهدافها، ولم تأكل أبناءها، وعدلت بين مؤسّسيها وصحفييها، وعدلت أيضا بين القرّاء، مثلما كذب من قال بأن الصحافة أضحت سلطة رابعة أو حتى سابعة.
كاذب، من يقول أن الصحافيين قطفوا كلّ ثمار المهنية والاحترافية، ونجحوا في صناعة صحافة متبوعة وليست تابعة، صحافة تأخذ وتعطي، تخيف وتخاف.. تخيف بالجدية والحقيقة والمصداقية، وتخاف من التأويل والتضليل والتهويل والتقليل من المشاكل وتغطية الحقّ بالغربال!
كاذب، من يقول بأن الصحفيين نجحوا في لمّ شملهم وقطعوا دابر “عداواتهم” وأنانيّاتهم، واحترموا انتماءاتهم وآراءهم، فعلينا أن نعترف أننا مازلنا في كثير من الحالات “إخوة أعداء”، ولذلك لم ننجح في الالتفاف لا حول نقابة ولا اتحاد ولا هم يحزنون، ولا أيّ إطار قانوني يضع يده على الجراح!
كاذب، من أسقط صفة المتاعب والمصاعب والمصائب والمخاطر، عن مهنة الصحافة التي تدافع عن كلّ المهن والموظفين و”المحڤورين”، لكنها مازالت فاشلة وعاجزة عن الدفاع عن المنتسبين لها من صحفيين ومراسلين ومتعاونين.. وكاذب من قال أنه اكتشف سرّ خلاف السابقين واللاحقين!
نعم، هناك صحفيون أعطوا أكثر مما أخذوا، مثلما هناك صحفيون أخذوا أكثر ممّا أعطوا.. صحفيون “مخضرمون” بلا رصيد، وصحفيون “مبتدئون” بأسهم عالية.. صحفيون “سعداء”، صحفيون “بؤساء”، وبين النوعين اعتقد البعض أن الصحافة “صح ــ آفة“، ورأى آخرون أنها “سخافة” لحرية التدمير والتعمير، و”التمسمير” وليست لحرية التعبير.. ألسنا إذن، بحاجة إلى تطهير وتنظيف المهنة بصابون حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين!