الرأي

الطالبُ والمطلوب

عمار يزلي
  • 59
  • 0

اليوم، لم يعد يوم الطالب مجرد يوم، يُحيا كل سنة بعد موت، ويُحتفى به بعد صمت، بل يوم للتذكر والعبرة: كيف تجرّأ طلبة الجزائر، على قلة عددهم الذي لم يكن يتجاوز 2500، بعد سنتين من تفجير الثورة المسلحة ضد الاحتلال المغتصِب للأرض منذ أزيد من قرن و20 سنة، أن يكونوا قوة ثورية ويشكلوا معادلة جديدة في الصراع ضد الاحتلال، هذه المرة، عبر “العقل العلمي” و”الذكاء العملي”، ليصبحوا شوكة في حلق الاستعمار ونصلا حادا في صدره، متحدين وجودهم كفئة، أرادت فرنسا أن تفصلها اجتماعيا وثقافيا عن مجتمعهم لتحوّلهم إلى وسطاء ناقلين لأيديولوجيتها وعاملين عليها، وهذا في جميع القطاعات العلمية والتربوية والإدارية والمهنية.

الخيار لم يكن سهلا: أن تضحِّي، كطالب ثانوي أو جامعي، بمستقبلك المهني ومكانتك في المجتمع ووظيفتك المستقبلية، وترمي بالشهادة العلمية عرض الحائط وتختار خط المواجهة والموت والاعتقال والتنكيل والتعذيب، لم يكن اختيارا سهلا، لأنه كان يعني ببساطة نهاية مسار كامل بموت محتوم، وشهادة لأجل استقلال الوطن، في مقابل شهادة قد تقتل هذا الوطن وقد تجعل منه تابعا، خاضعا راكعا.

اليوم، لمَّا ينظر الطالب الجزائري إلى حدث 19 ماي 1956، ينبغي أن يرى فيه المرآة التي تعكس وجهه الحالي: كيف كان وكيف أصبح، ثم كيف كان وكيف كان يمكن أن يكون لو لم يكن ما كان.

أن يترك طلبة الطب وزملاؤهم في سلك التعليم الطبي، في الجزائر كما في جامعات أوروبية وفرنسية أيضا: في “مونبوليي”، وفي جامعات أخرى، ويترك طلاب الطب والحقوق والهندسة والفيزياء والكيمياء، ويترك تلامذة الثانويات، الذين كانوا بالمئات وقتها، على قلة العدد وقتها، طلبة وطالبات من الجنسين، يتركوا المقاعد، ويلتحقوا بصفوف الثورة، سواء بالجبال، بجيش التحرير الوطني أم عبر النضال في الصفوف الخلفية في المنظمة المدنية لجبهة التحرير، فهذا الأمر لم يكن ينظر إليه لدى الجانب الفرنسي على أنه، وفقط اختيار، بل كان يعني لهم، وبكل بساطة أنه انتحار.

غير أن وقع الاختيار كان فارقا بين الفريقين: الشهادة من أجل الوطن خيرٌ من شهادةٍ بلا وطن. جسّد ذلك الموقف صرخة البيان الذي صدر عن الطلبة وقتها أن “شهاداتنا لا تصنع منا جثثا أحسن”.

كان إعلان البيان تفجيرا جديدا لقوة جديدة ناعمة، انطلقت نحو الخشونة، من اللين إلى قطع الوتين، ومن الياقات والمآزر البيض، إلى مخابر تصنيع السلاح والمتفجرات، وصيدليات التطبيب العسكري ومستشفيات تحت الأرض في الأرياف: أطباء، وممرضون وممرضات، ومهندسون وتقنيون وكيميائيون… اختاروا التضحية والشهادة من أجل الاستقلال، مقابل شهادات علمية مهنية، تحت الاحتلال: عبد الرحمن طالب، رشيد كواش، وغيرهم.

لم يبال هؤلاء الشباب المقبلون على الحياة، وعلى مقعد دراسي في الجامعة، لم يكن متاحا بتلك السهولة التي يبدو عليها اليوم الفوز بالبكالوريا والالتحاق بالجامعة أو الانتقال إلى الثانوية. كان هذا الالتحاق، “استحقاقا امتيازيا”، لا يطاله الجميع، ولا يبلغه إلا القليل. مع ذلك، ومع كل ما كان يمثله حامل الشهادة الثانوية أو الجامعية وحتى رواد “الكوليج” والمعاهد والمدارس الابتدائية، الذين كانوا يعدُّون ببضعة آلاف فقط، من “إطار مستقبلي محتمل”، كان ما يسميهم عالم الاجتماع الجزائري الراحل عبد القادر جغلول، “مثقفي الشهادة الابتدائية”، هم أطر أغلب التنظيمات العمالية والثقافية والفنية والأدبية، الذين أطروا إرهاصات الثورة والمقاومة قبل الثورة.

الطالب الجامعي اليوم، والثانوي وحتى تلامذة الأطوار الأولى، سيعرفون تباعا، كم كان “المستقبل”، الذي هو حاضرهم اليوم، أهمَّ من الحياة في أعين الأوائل. 

مقالات ذات صلة