الطبقية تلاحق الجزائريين في المقابر
يمكنك أن تميز في المقابر الجزائرية مابين الفقير والغني، من خلال شكل القبور والمواد التي استخدمت في بنائها، فالقبر عندنا يصنع ويباع جاهزا في محلات خاصة تعرض منتوجاتها من قبور مصنوعة بالإسمنت وأخرى مزينة بمختلف أنواع الخزف والرخام ولكل قبر سعره الخاص، فالقبور في الجزائر باتت أشبه بالمنازل منها البسيطة ومنها الفاخرة وهذا ما يجعل الطبقية تلاحق الجزائريين حتى في المقابر.
بداية جولتنا كانت من مقبرة العالية، المثوى الأخير لرؤساء الجزائر ومن صنعوا أمجادها عبر التاريخ على غرار الأمير عبد القادر ولالة فاطمة نسومر، قبور يفوق علوّها المترين ومساحتها 20 متر مربع، مصنوعة من الرخام الفاخر على شكل هرمي غاية في الدقة والجمال، هذا هو شكل قبور من حكموا الجزائر يرقدون جنبا إلى جنب بعيدا عن البسطاء والفقراء، سياج حديدي وحراس على رأس هذه المقابر التي وجدنا صعوبة بالغة للوصول إليها بسبب تشديد الحراسة، فما إن اقتربنا من هذه القبور حتى حاصرنا الحراس الذين استفسروا عن هوينا ومنعونا من التصوير، وكأن الأمر يتعلق بمملكة داخل مقبرة.
وبعد شد ومد أقنعنا الحراس أننا نحاول زيارة حكام الجزائر للذكرى والترحم فقط، وجدنا 10 عمال كانوا بصدد بناء قبر الرئيس الراحل شاذلي بن جديد بأجود أنواع الرخام و”لغرانيت”، وذلك بإتقان كبير، وفق شكل هندسي يشبه تماما كل من قبور الرؤساء السابقين على غرار أحمد بن بلة ومحمد بوضياف وهواري بومدين، الذين كانوا كلهم في مكان واحد غير بعيد من قبر الأمير عبد القادر ولالة فاطمة نسومر، سألنا العمال عن نوعية المواد التي كانوا يبنون بها قبر الرئيس الراحل شاذلي بن جديد، فأكدوا أنها مزيج من أحجار الرخام عالية الجودة التي يفوق سمكها”03 سم”، بالإضافة إلى أحجار “لغرانيت” التي يفوق سعر المتر مربع 5،1 مليون سنتيم، وأكد العمال أن قيمة قبر الرئيس تتراوح بين 70 و80 سنتيم، وهي مبنية على شكل هرمي أشبه بالأضرحة يفوق علوها مترين ونصف، ويعتني بتنظيفها وتلميعها عمال نظافة على مدار السنة.
.
قبور الأغنياء ليست كقبور الفقراء في الجزائر
تركنا مقبرة العالية وتوجهنا إلى مقبرة”بن عكنون”، أين تتواجد قبور العديد من الشخصيات المهمة، هذه القبور ليست كغيرها لأنها تتميز بعناية خاصة على مدار السنة، فهي مبنية من الرخام الفاخر ومحيطها معبد بالرخام، بالإضافة إلى أنها مزينة بأجمل أنواع الورود التي تسقى وتنظف كل يوم، فزائرها لا تلمس قدماه التراب والطين مثل ما تتميز به القبور الأخرى التي لم تزين بالبلاط الفاخر ومنها من زالت وانجرفت لأنها لم تجد من يبنيها، زائر مقبرة”بن عكنون” يمكنه أن يميز بسهولة مابين قبور الأغنياء والبسطاء من خلال الاهتمام اليومي لعمال المقبرة ببعض القبور دون أخر ى.
.
يوصي ببناء قبره بالإسمنت ويحذر من استعمال الرخام
غادرنا مقبرة “بن عكنون” وتوجهنا إلى مقبرة “ڤاريدي” ببلدية القبة، أين وجدنا عند مدخل المقبرة محلات خاصة لبناء القبور الجاهزة، تحدثنا مع صاحب المحل الذي أكد لنا أن تقنية بناء القبور الجاهزة باتت ناجحة جدا، وهي الأكثر طلبا من طرف العائلات، لأنها لا تكلف سوى نصف ساعة لتهيئة القبر وبنائه بصفة نهائية، وعن أسعار القبور الجاهزة أكد المتحدث أنها تختلف بحسب المواد التي تصنع بها، أرخصها ثمنا تلك التي تبنى بالإسمنت فقط، والتي تقدر بـ 5000 دج، ثم تأتي القبور التي تبنى بالخزف الأبيض العادي والتي تقدر بـ 8000 دج، وتقدر القبور المبنية بالخزف المزخرف بـ12000 دج، والقبور الأغلى ثمنا هي التي تصنع من أحجار الرخام والتي يتراوح سعرها بين 04 إلى06 ملايين حسب علوها عن الأرض.
وأضاف المتحدث أن العديد من العائلات البسيطة تفضل بناء قبر ميتها بالرخام كنوع من التكريم بعد الموت، في حين أن أغنياء يفضلون بناء قبور موتاهم بالإسمنت، عملا بوصايا الشريعة الإسلامية، وفي هذا الإطار سرد علينا محدثنا قصة جنرال كان مصابا بمرض عضال، أوصى أهله أن يبنوا قبره بعد موته بالإسمنت فقط، وحذر من استعمال الرخام، وهذا ما فعلوه، حيث طلبوا من المتحدث بناء قبر الجنرال الذي حضر جنازته وزراء وشخصيات مهمة بالإسمنت، وهذا راجع إلى الثقافة الدينية السليمة للميت وأهله، وأكد المتحدث أنه يجتهد في بناء القبور على الطريقة الإسلامية، حيث لا يتجاوز علوها على الأرض شبرا لحفظها من الزوال، وهو ما وصى به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي نهى عن تزيين القبور والتباهي بها مثل ما يفعله النصارى واليهود.