الطريق الى النهضة.. الخروج من الهزيمة
قد يقول قائل: وهل نحن في متسع من أمرنا لنتحدث عن النهضة.. إذ كيف نذهب إلى هذا الموضوع “الترفي”، فيما تطحن دبابات العدو صدور أبنائنا وتقصف طائراته منازلنا وتبعثر جيوشه ما لدينا من ثروات وحياة..؟ هل هناك متسع للحديث عن نهضة، فيما نحن نبحث عن لقمة عيش بأي ثمن في كثير من بلداننا وعن مكان نأوي إليه بعيدا عن الحروب؟.. كل هذا صحيح، ولكن رغما عنه أو بسببه، فإننا بحاجة إلى الحديث عن النهضة لأن ما أصابنا هو بسبب غياب مشروع حقيقي في الأمة، يأخذ بطاقتنا نحو النهضة ويجنبنا الفوضى والخلل والضياع.. أجل، إننا في حاجة إلى الحديث عن النهضة، لأنها تكليف إلهي لنا، ولأنها مناط كرامتنا، ولأن كل ما يحصل لنا الآن إنما ليصرفنا عن التفكير في سبيل خروجنا من الهزيمة نحو الانتصار والنهضة.
لا ينتظر أن يعلن أحد من المتواجدين في مواقع المسؤولية الأخلاقية والسياسية والثقافية في الأمة أنه ليس مع النهضة والكرامة والعزة والرفاه.. فهذا مطلب وهدف حقيقي لكل الأحزاب والدول والطبقات المثقفة.. وهو مناط التكليف لبني الإنسان على هذه الأرض، ولكننا نقف دون تحقيق هذا الهدف مختلفين حول آليات النهوض وأحيانا متنازعين أو متحاربين، فتتولد لدينا أهداف جديدة وخصوم جدد وآليات لا تفضي إلى نهضة بل إلى مزيد من التراجع والتدمير الذاتي لمكوناتنا وطاقاتنا.
وينبغي، كما اتفقنا على الهدف الكبير، أن نتجه إلى عملية تدبر أكثر عمقا وترتيبا لنكتشف عناوين عامة لعملية النهضة، وأن ندرك أن هذه العناوين تحتاج منا إلى تفصيل وتثبيت في منظومة أفكارنا لتصبح ثوابت لا يمكن تجاوزها بحال من الأحوال..
من نعم الله علينا في هذه المرحلة أننا لا نعاني من عدم قدرة على تحديد الخصم وساحات المواجهة الشرسة معه، بل إن الإجماع لدينا حاصل في هذا المجال.. وهذا مصدر إضاءة مهمة تكشف المجالات العديدة التي يدور فيها الاشتباك الخفي بيننا وبين خصومنا الحضاريين.. فلقد عاد وجود الكيان الصهيوني والتبعية الاقتصادية والعلمية والسياسية والتجزئة القومية والمذهبية والوطنية والفئوية والتدخل الاستعماري المباشر في كل ذلك وسواه ساحات للاشتباك الدامي أحيانا كثيرة والذي يأخذ أشكالا أخرى في أحيان أخرى ومجالات أخرى.
أجل، لا بد من الحفاظ على البوصلة والتوحد في اتجاهها.. إنها نهضة الأمة.. ومن هنا نحدد معطلاتها الخطيرة، وتصبح أكثر صورها تجليا التحرر– وليس التحرير فقط– والاستقلال والتحكم في مواردنا ووحدتنا وتحرير فلسطين.. هذه صور تجلي النهضة. وهي عناوين كبيرة متداخلة لا يمكن معالجة أحدها دون معالجة العناوين كلها.. إذ لا يتوقع من أمة مستلبة الإرادة، تابعة في قوتها وسياستها، أن تتقدم لتحرير المسجد الأقصى. ولا يمكن لأمة تذل عن التحرك نحو المسجد الأقصى وتتنازل عمليا عنه، أن تبحث عن التحكم في موارد مادية أو تحافظ عليها. فهي قد فرطت في ما هو أكثر قداسة.. ولا يمكن لأمة تقبل أن تتنازع بينها وتبدد قدراتها ثم تحاول الاقتراب من مواجهة الأعداء الاستعماريين.
لقد أصابنا الوهم فيما نحن ظننا أننا نعالج ملفات النكبة والهزيمة.. وظننا أنه بإمكاننا إنجاز أي ملف دون إنجاز الملفات الأخرى. وتطرفنا في ذلك إلى درجة أننا قدمنا تنازلات كبيرة في ملفات أساسية عديدة على حساب الملف المعالج من قبلنا. وظننا أننا سننجو بما في أيدينا من ملفات فانتهينا إلى الفشل والهزيمة تلو الهزيمة.. فلقد ابتعدت فلسطين والمسجد الأقصى أكثر وتشتتنا. والتجزئة بلغت فينا حد الجنون. وتخلفنا المادي والعلمي غير مفهوم. وغابت عناوين الكرامة لدينا، فيما يستبد الحكام بكل شيء وكأنهم ظل الله على الأرض.
هل اقتربنا من الحديث عن النهضة؟.. أعرف أن الموضوع يحتاج بحوثا مستفيضة ودراسات معمقة شاملة مطولة. وليس هذا بالممكن في هذا الحيز من المساحة، إنما هي محاولة منهجية فقط لترتيب العناوين وبعث الهمم للاقتراب من الموضوع الوجودي لنا، كأمة، للإشارة إلى خطورة الابتعاد عنه.
كيف نرتب أفكارنا؟ أولوياتنا.. التوجه إلى المسجد الأقصى أم التنمية والتصنيع والاقتصاد والبحث العلمي.. أم الحكم الراشد وحرية الناس وصون كراماتهم؟ أم إلى قطع علاقات التبعية مع الاستعمار؟ أم بتوحيد شتاتنا.. من أين نبدأ؟
إنه سؤال مطروح علينا منذ زمن بعيد. وللإجابة عنه تشتتت الأمة فوق تشتتها.. وتشكلت تيارات وجماعات فكان التيار القومي والتيار الاشتراكي والتيار الإسلامي والتيار الليبرالي.. وفي كل تيار فصائل متنازعة. وفقدنا بعد زمن الهدف الحقيقي وانشغلنا بأهداف جزئية انتهت بنا إلى غياب عملية التفكير وإلى التحولق حول مسميات عمقت تشتتنا.
إنها النهضة.. فكيف نرتب إمكاناتنا؟ ما قيمة إمكاناتنا في النهضة؟ أي تنمية نحتاج بعد أن تحولت مجتمعاتنا إلى مجتمعات استهلاكية تشغل مصانع الغرب وتحل مشكلاته الاقتصادية والآن تشغل مصانع الصين وسواها..؟ ما قيمة إمكاناتنا في النهضة وقد أصبح النفط مادة جذب للاستعماريين وإغراء لمشاريعهم في بلداننا فيما نحن لا نمارس أكثر من الترحيب بهدرها في معارك يريدها الغرب الاستعماري لاستمرار هيمنته وسطوته على مقدراتنا ومنعنا من النهضة.
إنها النهضة.. فكيف نرتب مواقعنا في معركة الحياة..؟ فلغياب إدراكنا بضرورة تحديد مواقعنا في جبهة المواجهة فقدنا القدرة على تحديد وسائلنا المناسبة والملائمة في كل ساحة من الساحات.. ومجددا حصل الارتباك وإن كان هنا بشكل عدم القدرة على تحديد الوسائل وهي مسألة فكرية في الأساس وخلل منهجي.
وهنا، لا بد من التركيز على العمل الواعي لتحقيق أهدافنا في اتجاه غايتنا.. وهذا ما سينشئ حيوية ونشاطا كافيين لاستبدال المناخ النفسي والثقافي.. فأهدافنا تحرير فلسطين والوحدة والاستقلال والتصنيع والحكم الراشد وغايتنا النهضة.. ونتوزع، كل حسب موقعه، بجدية بدعم أصيل من كل الآخرين على كل الجبهات في آن واحد ويصبح كل انتصار في أحدها إنما هو انتصار للملفات الأخرى.
ابتليت الأفكار السابقة للتيارات التي تعاملت مع هذه الملفات بالانغلاق في ملف بدعوى إنجازه قبل التعامل مع سواه، ومن بعد تأتي معالجة الملفات الأخرى كتحصيل حاصل.. كما حصل للقوميين والاشتراكيين والإسلاميين على حد سواء.. إن الأمثلة كثيرة وقاتلة.
إنه موضوع يستحق الكثير من التدبر، لأنه مستقبلنا.. تولانا الله برحمته.