الطفل يكتسب مهارات التفكير والإبداع من الأسرة
يولد كل طفل ويتمنى أبواه أن ينشأ مبدعاً مبتكراً وموهوباً، ويتساءل الكثيرون إن كان الإبداع فطرياً أم مكتسباً، ويسعى الكثيرون إلى تحسين قدرات الأبناء قدر المستطاع.
توجهنا بالحوار إلى المستشارة والمدربة التربوية د.نيفين عبد الله مديرة مركز أجيال للتنمية الأسرية بالقاهرة، ومصممة برامج لتنمية القدرات للأطفال والمراهقين .
قامت بتقديم العديد من البرامج التدريبية للآباء والأمهات والتربويين، ومنها كيف تكونين أما مبدعة؟ وتنمية الإبداع عند الأطفال، وتنمية التفكير عند الأطفال ، وبناء المنهج والأنشطة، وكيف تختار مجال الدراسة؟ والذكاءات المتعددة وأي الأذكياء ابنك؟! بالإضافة إلى تصميم عدد من برامج تنمية قدرات الأطفال منها: منهج أجيال لتنمية مهارات التفكير الإبداعي، وورش تنمية التفكير، واكتشاف و تنمية القدرات، ومهارات الحكي عند الأطفال.
برأيكم هل يولد الطفل مبدعاً ومبتكراً أم إنها مهارات يكتسبها؟
الطفل يولد مؤهلا لأن ينمو كمبدع، أي أن الإبداع قدرة كامنة في الإنسان، و لكنها لا تظهر إلا بالإثراء والتحفيز والتنمية، وهو ما جعل هناك الكثير من برامج التدريب للإبداع، غير أنه لا بد أن نفرق بين أمرين: الإبداع كقدرة عقلية ؛ ومهارات التفكير الإبداعي وهي محل التدريب؛ لأنها هي التي يمكن قياسها ويمكن التعرف عليها في سلوك الإنسان، ولذا إن لخصنا الإجابة ستكون: مهارات التفكير كغيرها من المهارات تعلم بالفعل.
صممت برامج لتنمية القدرات للأطفال والمراهقين، لو نتحدث عن هذه البرامج، وهل حققت ما رجوتموه منها؟
في الحقيقة يسعدني كثيراً الحديث عن هذه البرامج، فبفضل الله حققت هذه البرامج الكثير مما كنا نستهدفه، ولدينا أكثر من طريقة للقياس، أولها ملاحظاتنا الدقيقة؛ سؤال الأسرة الدوري ومقابلاتهم الدورية؛ القياسات النفسية .
وبفضل الله تعالى من وجهة نظري أفضل قياس هو إقبال الأطفال على أن يتعلموا و يستمروا هو الفيصل في الأمر، والحمد لله تعالى أغلب الأطفال الذين اشتركوا في برامجنا كانت تمثل لهم فرصا ممتعة ثرية، يودون التوجه لها بإرادتهم دون دفع من الأسر حتى إن بعض الأمهات قالت لي صدقا: “ابني لا ينفع معه أي عقاب إلا أني وجدت أخيرا شيئا أعاقبه به؛ عدم ذهابه لمركز أجيال!” هذا فضل من الله ومنة.
هل تحدثيننا عن صفات وخصائص الطفل المبدع، وهل للآباء والأمهات دور في تدريبه على مهارات الإبداع؟
الطفل المبدع من أهم خصائصه الثقة بنفسه وقدراته، وهو ما يمكن للأسرة أن تقوم به، والمبدع من خصائصه المرونة “النظر للأمور بطرق مختلفة وزوايا مختلفة” و لذا أطلب من الطفل دوما أن يعدد الحلول أو الأفكار، فلا أكتفي منه بإجابة واحدة بل أطلب منه أن يزيد.
إضافة للكثير من التدريبات التي يمكن أن ندرب الطفل عليها، وهي تبنى على مهارات التفكير الإبداعي الأساسية: الطلاقة أي الإتيان بعدد كبير من الاستجابات في وحدة زمنية محددة، فمثلا نطلب منها: أكبر عدد من الكلمات التي تبدأ و تنتهي بنفس الحرف؛ أكبر عدد من الأشكال التي تبدأ من دائرة .. وهكذا.
نطرح مشكلة ونطلب منه حلاً إبداعياً لها مثلا: لو أن يديك مربوطة للخلف ورن جرس التليفون؛ ما كل الطرق التي يمكنك بها أن تجيب؟ .. نطلب منه توليف أشياء لا علاقة لها ببعضها البعض مثلا: ضع الكسكس والسرير في علاقة؛ يمكن أن تكون هذه العلاقة عبارة عن قصة تضم العنصرين؛ لوحة؛ خبر مثير، وهكذا.
نطلب منه تطوير منتج معين: طور حقيبة المدرسة؛ ضع لها إضافات لتكون أفضل استخداما
أو قل أكبر عدد من الاستخدامات غير التقليدية للصحف.
ما المتشابه بينك و بين الكتاب.
ما كل الاحتمالات الممكنة لوجود الجوارب في فرن الغاز أو البوتاجاز.
هذه بعض الأفكار التي نستخدمها عموما في إثارة أبنائنا نحو توليد الأفكار والنظر للأمور بطرق مرنة مبدعة.
إذا كيف يكتشف الآباء والأمهات نقاط التميز الإبداعية عند أبنائهم؟
مسألة الاكتشاف مسألة هامة جدا، وبالفعل الأسرة هي المكتشف الأول لقدرات وإبداعات الطفل، الاكتشاف يأتي بالملاحظة وبالطبع الملاحظة لا تكون إلا أثناء النشاط، ولذا فالخطوة الأولى أن نتيح لأبنائنا فرصا كثيرة جدا قدر إمكاننا للتجريب، والإبداع تظهر على مدار الأنشطة اليومية البسيطة طريقة تفاعل الطفل مع المواقف تحمل نوعا من الاختلاف والجدة؛ أجده يؤدي المهام بطرق غير تقليدية؛ يجدد دوما؛ وهكذا.
وبالطبع للإبداع مجالات تختلف باختلاف مجالات الحياة الإنسانية فهناك الإبداع البصري؛ الذي يظهر في الفنون المرئية جميعها؛ والإبداع الأدبي أو اللغوي؛ والإبداع الاجتماعي الذي يتمثل في مرونة وتعدد الطرق لحل المشكلات الاجتماعية أو المواقف الاجتماعية؛ وهناك الإبداع الحركي وهكذا.. ولذا حين أقول نجعل الأطفال يجربون أعني أن ننوع في مجالات التجريب حتى نقف على نقاط تميزهم و مجالات تميزهم .
وللاكتشاف طرق مختلفة منها كما أسلفنا التجريب؛ ومنها القياس فهناك الكثير من القياسات النفسية التي تقيس وتختبر قدرات أطفالنا المختلفة، ومنها القدرة الإبداعية .
فإن تحدثنا عن التنمية فأول ما أقوله إتاحة فرص للممارسة؛ وإتاحة فرص رياضية؛ فنية؛ درامية؛ لغوية.. وتنمية معارف الطفل المختلفة فالأطفال بحاجة لمعلومات ومعارف ليمكنهم البناء عليها والانطلاق منها، وإتاحة فرص كبيرة للحرية والتجربة والخطأ.
قمتِ بإعداد منهج أجيال “أيزو الآباء” بمركز أجيال، فما هي الشروط الواجب توفرها في الوالدين حتى يحصلوا على شهادة الأيزو؟
برامج أيزو الآباء كانت تحمل فكرة طرح ما الذي ينبغي على الوالدين تعلمه ليمكنهم القيام بدورهم في تربية أبنائهم ورعايتهم رعاية متكاملة غير منقوصة، وهو ما مثلته بفكرة الأيزو أو قل “كتالوج الطفل” وهذا الكتالوج الهام جدا يحوي طريقة قراءة الطفل؛ قراءة تصرفاته؛ فهمه؛ ببساطة طريقة عمله إن جاز التعبير كما نقرأ طريقة عمل أي جهاز قبل أن نتعامل معه .. وبإيجاز شديد يضم هذه الكتالوج معرفة بالنقاط الآتية :
– معرفة نواحي النمو المختلفة للطفل التي ” مجازا نسميها “: الناحية المعرفية / العقلية / اللغوية ؛ الناحية الاجتماعية ؛ الناحية الوجدانية / الانفعالية ؛ الناحية الحركية / الجسمية .
– سمات النمو في كل مرحلة .
– ذكاءات الأطفال المختلفة
– الأنماط المزاجية لكل طفل .
– أنماط التعلم المختلفة .
– وأخيرا عادات العقل، وهي العادات العقلية التي أظهرت الدراسات والأبحاث أنها تمثل طرقاً ذكية في التعامل مع المواقف الحياتية المختلفة في كل المجالات .
شهدنا في السنوات الأخيرة تضخم سوق الدورات التدريبية في مجال التنمية الذاتية، فهل يدل هذا على زيادة في الوعي أم أنها تجارة رائجة؟
هذه من أحد دلائلها، وأحد أسبابها أن الإنسان بحاجة للتعلم مدى الحياة، وهو ما تتراءى أحد أشكاله فيما يسمى مسار التعليم المستمر والتعلم مدى الحياة وغيره من برامج تعليم الكبار .
فإذا ترافق نمو هذا المفهوم مع تغير مفهوم التنمية ليتحول من التنمية المعتمدة على الموارد الطبيعية للتنمية المعتمدة على البشر كأهم مصدر من مصادر التنمية؛ فيكون من الطبيعي أن تنمو برامج التعلم المختلفة سواء أخذت اسم تنمية بشرية؛ تنمية ذاتية؛ أو أي اسم آخر.. التعلم احتياج حقيقي خاصة مع تعاظم مشكلاتنا الفردية سواء المهنية؛ الأسرية؛ الزوجية؛ التربوية.. فوجد الفرد نفسه أمام الكثير من المشكلات الحياتية التي صعب عليه مواجهتها؛ في الوقت نفسه الذي بدأ حيز التعلم المستمر يدرج على صفحة حياتنا.. فأظن من الطبيعي أن تزيد الدورات و يزيد الإقبال عليها.
أما نقطة كونها مصدرا للربح و التربح فمما يعرف أن أي مجال من المجالات حتى الطب نفسه يمكن أن يؤدي رسالة عظيمة ويمكن أن يتحول لمصدر ربحي.. وتطمئنا القاعدة التي تقول: الكم يسبق الكيف.. فأظن أن كم الدورات المقدمة لابد وأن يكثر ثم تأتي عملية التدقيق والتمحيص و الوعي من قبل الناس لتختار فعلا الثمين الذي ينفعها محققة لقول الله تعالى: ” فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.. فأتمنى أن يقترب الناس من تمييز ما ينفعهم في وقت قريب.
يتحدث الكثيرون عن أن اختيار المدارس الدولية هو السبيل الأمثل لتنمية مهارات الأبناء، ما رأيكم في ذلك؟
هناك مزايا لا يمكنني إنكارها للمدارس الدولية؛ وإن كنت لا يمكنني التعميم فليست كل المدارس الدولية جيدة؛ ولا كل المدارس المرحلية غير جيدة.. إلا أني هنا أتحدث عن النظام التعليمي وكون المدرسة جيدة أو سيئة بقدر قربها وبعدها عن طبيعة النظام المحدد الذي من المفترض إتباعه. من هذه المزايا التي يمكننا ذكرها الاهتمام بالشخصية المتوازنة فنجد برامج حقيقية للفنون؛ الرياضة؛ الدراما؛ وغيرها من الأنشطة التي يمارسها الطلاب فعليا ويقوم عليها أشخاص أكفاء يمكنهم قيادة هذه الأنشطة لتكون أنشطة تربوية حقيقية تحقق نموا في الشخصية جنبا إلى جنب مع تحقيق نمو في المهارات والقدرات التي تتضمنها، وهو ما يصب بطبيعة الحال في إبداع الطلاب ونمو قدراتهم.
إذن ما هو دور الآباء والأمهات في اختيار مدارس الأبناء؟
الذي يمثل لي أهمية حقيقية في هذه المدارس التواصل الحقيقي بين الأسرة والمدرسة وهو ما يحدث الكثير من الفوائد بل يتعدى الأمر ذلك في بعض المدارس للتواصل مع المجتمع المحلي فتقوم بمشروعات تطوعية لهذه المجتمع المحلي؛ أو تجد فرصاً للتعلم في إطار هذا المجتمع؛ أو إجراء مقابلات وغيره من الأنشطة التعليمية في إطار هذا المجتمع، وهو بطبيعة الحال يحدث نمواً في قدرات وإبداعات الطلاب، فضلاً عن تنمية الثقة بالنفس وغيرها من الركائز الشخصية التي يستند إليها الإبداع لينمو.
مدارس المتفوقين، ظاهرة حديثة بعض الشيء، ما وصفكم لها؟ أليس فيها نوع من الظلم للطلاب غير المتفوقين، نتيجة حرمانهم من الاحتكاك مع نظرائهم المتفوقين؟
في الحقيقة ربما أختلف في أنها ظاهرة؛ واختلف أنها حديثة.. فهي لا زالت قليلة العدد نسبيا إضافة لأن محاولات تكوينها وإنشائها منذ فترة ليست ببعيدة.. ولست ضد أن يكون هناك رعاية حقيقية مكثفة للمتميزين؛ جنبا إلى جنب مع إتاحة فرص للجميع لينمو فهناك مقولة رائعة تقول: ” كل طفل مشروع موهبة ” ففعليا كل طفل يمكنه أن يصل لأقصى درجات تميزه الفردي إلا ما حصل على برامج وفرص حقيقية للتنمية والإثراء.. وجدير بالذكر أن برامج تنمية الموهوبين الإثرائية تفيد كل الطلاب و لا يقتصر إفادتها على هذه الفئة القليلة ..
هناك نقطة هامة جدا أيضا أود الإشارة إليها في هذه الصدد وهي تعريف المتفوقين الذين سيكون من حقهم الالتحاق بمثل هذه البرامج.. هل هو المفهوم الضيق الذي لا يتعدى نسبة ضئيلة من أولادنا أي أنه سيتسع ليشمل كل صاحب موهبة أو تميز أو ما يمكننا تسميته ” مشروع موهبة “.. إن كانت بشكلها الضيق لا أظن أنه ستؤتي ثمارها الحقيقية في التنمية؛ أما إذا وسعنا الدائرة لتشمل عددا لا بأس به من ” مشاريع الموهوبين ” الذين تثمر رعايتهم خيرا؛ فبالطبع هذا أفضل وأنفع لعجلة التنمية بشكل عام، فإن تحدثنا عن الظلم لفئة أرجو ألا يكون هناك ظلم لفئة أخرى فكلهم أبناؤنا وكلهم نحلم و نطمح أن ينالوا فرصا ليصبحوا ” دعائم التنمية في هذه الأمة ” بإذن الله، و ما لا يدرك كله فلا يترك جله ..
هل ترتبط نسبة ذكاء الطفل بالتفوق الدراسي ؟ وهل لذلك علاقة بالقدرات الإبداعية لديه؟
أحد مجالي التفوق هو التفوق ” الأكاديمي “الدراسي؛ وهو واحد فقط من مجالات التفوق، وهناك علاقة بالطبع بين نسبة الذكاء والتفوق الدراسي خاصة إذا كانت النسبة تقاس بمقاييس الذكاء ذات المعامل العقلي، أي التي تقيس في أكثر أجزائها القدرات اللغوية والمنطقية الحسابية والذاكرة .. فهذه أكثر القدرات المسئولة عن التفوق الدراسي خاصة في النظم التعليمية التقليدية أي التي تعتمد على الحفظ والتلقين؛ و لا تقدم فيها الدروس بأنشطة وطرق تدريس تتناسب مع كل القدرات.
والقدرات الإبداعية عادة تنمو في ظل النظم التي تكافئ وتراعي كل الذكاءات خاصة وذلك لأنه كما أسلفنا أن الإبداع له مجالات متنوعة .
برأيكم كيف نستغل وسائل الاتصال الحديثة مثل الانترنت لتنمية مهارات الإبداع لدى الأبناء؟
يمكن للإنترنت أن يقدم الكثير من الفرص للأبناء بدءا من الألعاب التفاعلية الكثيرة المتوافرة ؛ مثل البحث عن المعلومات؛ شبكات العلاقات الاجتماعية؛ دوائر المعارف والقواميس؛ مشاهدة المعارض والمتاحف وغيرها في كل العالم وهو الأمر الذي يكون مخزونا لدى الطلاب لتنمو مجالات اهتماماتهم وإبداعهم بالتبعية .
يعتقد البعض أن إجبار الأبناء على الالتحاق بكليات القمة مثل الطب والهندسة وغيره من سبل التفوق والإبداع، ما رأيكم في ذلك؟
كل ميسر لما خلق له.. الله خلقنا جميعا بقدرات متنوعة مختلفة تمثلها الذكاءات المتعددة التي تحدث عنها د.جاردنر وغيره.. الأصل في طرح تنويع القدرات أن يجد كل من أولادنا طريقه المتفرد لعمارة هذه الأرض.. فمن أولادنا فعلا من يمكنه النبوغ في مساحات لا توافق آخر.. وتبدو هذه فكرة بديهية إلا أنها لازالت تشكل حجرا نقف عنده أحيانا حين نساعد أولادنا على اختيار مستقبلهم؛ فبدافع الأبوة نريد لأبنائنا الأفضل؛ الأعلى ولست ضد هذا الدافع مادام مبنيا على معرفتي لابني وقدراته الحقيقية..