الرأي

الطلاق‭ ‬بالثلاث‭!‬

الشروق أونلاين
  • 2669
  • 3

أصعب ما في الحياة أن تباشر مرحلة جديدة وأنت لم تتنه من المرحلة السابقة، أو دعونا نعترف أننا لم نبدأها أصلا! إنه حال سباق المحليات الذي انطلق نهار أمس في أجواء باهتة، بل من دون أجواء، بنفس الوجوه وبنفس الألسن، ولكن بمزيد من النفور من مواطنين كانوا منذ فترة يتسلّون باللقاءات الحزبية، وبأقوال رؤساء الأحزاب والمرشحين، وفهموا أن ضحكهم إنما كان أشبه بالضحك على الذات، فقرروا أن يجعلوا من الحدث الذي تصرّ السلطة على أن تسميه بـ”الهام” و”المصيري” باللا حدث.

والغريب أن غالبية رؤساء الأحزاب، اتفقوا على نقد الانتخابات التشريعية السابقة، حيث اعتبروها فاشلة ومزورة، ومع ذلك اتفقوا جميعا على أن يخوضوا السباق المحلي وبنفس الأسطوانة التي استمع إليها المواطنون في المواعيد السابقة، وإذا كان المواطنون قد قنطوا من إمكانية حدوث أي تغيير، خاصة أنهم حضروا للقسَم بأغلظ الإيمان في التشريعيات السابقة، من مترشحين قالوا إنهم سيطلقون الممارسات السابقة، ولكنهم اختفوا في كل المواعيد الكبيرة والصغيرة، فلا أحد منهم رد على وقاحة اليمين الفرنسي، ولا أحد منهم توجع للحرائق التي أتلفت بقية الأخضر، ولا أحد منهم ساعد المواطنين في أزمات الكهرباء التي اندلعت في شهر رمضان، وبالمختصر غير المفيد، غابوا جميعا في الوقت الذي كان من المفروض أن يقولوا ولو كلمة حق كأضعف الإيمان، وتكاد تتحول مثل هذه التجمعات السياسية إلى ما يسميه المواطنون “صحانة الوجوه”.

وإذا كانت بعض الأحزاب قد فشلت في إقناع أبسط المواطنين للتواجد في المراكز الأخيرة من قوائمها، وقدمتها في الوقت بدل الضائع، واشترت أخرى ترشح النساء بمن فيهن الأميات والمشبوهات، ووجدت نهار أمس صعوبة في ملء حجرات صغيرة كان الصوت الغالب فيها هو الصدى، وألغت الكثير منها تجمعاتها، فإن الأحزاب التي سمّت نفسها ـ ولم يسمها أحد ـ بـ”الكبيرة” و”العريقة”، وجدت صعوبة في أن تقيم اجتماعاتها من دون أن تتفادى الحواجز المزيفة التي وجدتها من طرف معارضيها، الذين يصرون هم أيضا أن يسموا أنفسهم بـ”التصحيحيين”، في مشهد سياسي لا يكاد‭ ‬يوجد‭ ‬فيه‭ ‬سوى‭ ‬الغلط‭.‬

في بلاد كثيرة، مشروع منصب رئيس الجمهورية يبدأ من منصب رئيس بلدية، والمواطن البسيط يهمه شأن بلديته قبل أي شأن آخر، والأحزاب التي تريد أن تكبر تراهن على مرحلة المحليات، إلا في الجزائر، حيث بدا رؤساء الأحزاب غير مهتمين بمنصب رئيس بلدية أو رئيس المجلس الشعبي الولائي، خاصة أن الدولة تمكنت من أن تسجن شيخ البلدية، ما بين رفع القمامة ووضع الممهلات على الطرقات المحلية، وتجعل من شيخ البلدية أشبه بشيخ الغفر في القرى المصرية، وعندما تعجز الدولة عن إقامة علاقة ودّ بين رئيس البلدية ـ الذي هو في الغالب ابن دشرته وجاره ـ وبين‮ ‬المواطن‭ ‬البسيط،‭ ‬فإنها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ستعجز‭ ‬عن‭ ‬ربط‭ ‬علاقة‭ ‬ودّ‭ ‬أو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬مواطن‮ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬رمى‭ ‬الطلاق‭ ‬بالثلاث‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬على‭ ‬أبنائها‮!!‬؟

مقالات ذات صلة