الطمّاع ياكلو الكذاب!
…كان هناك مزارع طمّاع، أراد أن يجمع الكثير من المال، فحين أمطرت السماء في فصل الربيع قال: يا رب لو طلعت الشمس فسأستطيع أن أبذر بعض القمح. وفي اليوم التالي أصبحت السماء مشمسة، فبذر المزارع الطماع القمح، ثم قال: لو أمطرت السماء فسوف يستفيد قمحي. وفي اليوم التالي أمطرت السماء فقال: يا رب لو أمطرت السماء مرة أخرى فسينمو قمحي بشكل أفضل. وفي اليوم التالي أمطرت السماء مرة أخرى.
وحين دخل الصيف حصد المزارع قمحه، وجعله في كومة كبيرة، ثم قال: يا رب لماذا لم ترزقني بمطر أكثر، فلو أنك أعطيتني مطرا أكثر لكانت غلتي أكثر. حينها أمطرت السماء بمطر غزير، جرف غلة المزارع الطماع، وأتلفها.
تذكرت فجأة هذه القصة الحكمة والهادفة، في ظل هرج ومرج يطبع الساحة السياسية، هذه الأيام، وما يُثير العجب أو الانتباه، هو الحماسة و”الطيكوك” الذي نشـّط مفاصل وأحاسيس مجموعة من “النخبة”، حتى وإن كانت “محايدة” وليست منتمية فرضيا لأيّ حزب أو تشكيلة سياسية، وهذه النخبة “غير السياسية” أو “غير المسيّسة” تزعم أنها تتحرّك من تلقاء نفسها للمشاركة في “التغيير” الذي يطمح إليه كلّ الجزائريين!
قد يكون المشكل، في طبقة سياسية، أصبحت تفضل الاختباء والهروب من الواجهة والمواجهة، ولذلك ظهرت “قوى موازية” مشكـّلة من أساتذة وأكاديميين ومحللين وخبراء ومنظرين، وحتى إن كان من حقّ هذه الكوكبة ممارسة أنشطة سياسية، فأيّ وزن وتأثير لها؟
ضعف وتهلهل وبؤس الأحزاب المعتمدة، هو الذي شجّع أفراد وجماعات على التسلـّل بحثا عن “غلـّة” تحت الطاولة قد تكون مسمومة، وبطبيعة الحال، من حقّ الأطراف غير المتحزبة أن تتعسكر وتتخندق وتترشح وتروّج لمرشحها، لكن أليس من قواعد اللعبة المرور عبر الميزان قبل أيّ منازلة، حتى يتمّ تصنيفها، إن كانت من وزن الريشة، أم وزن الديك، أم الوزن الثقيل؟
مصيبة الممارسة السياسية في جزائر التعددية، أنها أصبحت مفتوحة للنواكر والمجاهيل والأقزام، وهذه “الخلايا النائمة” تعمل على الالتصاق في ظهر “مترشحين” أو “مشاريع مترشحين”، في أغلب الظن، من أجل جني غنائم دون دفع ثمنها ودون المشاركة في تجميعها!
إن عقلية التسلـّل والتبلـّل من طرف “فلاسفة”، قبل أشهر قليلة عن موعد انتخابات بحجم الرئاسيات، يعطي الانطباع بأن في الأمر إن وأخواتها، وهلا لا يستدعي إلى اتهام هؤلاء أو أولئك بأيّة تهمة على المقاس، لكن المفروض أن ما تتعاطاه هذه الأسراب هو من مهام وصلاحيات الأحزاب، حتى وإن كان هناك ما يُُقال عن هذه الأحزاب المثيرة للاستفزاز والقنطة!
قديما قالوا: الطمّاع ياكلو الكذاب، والخوف كلّ الخوف، أن بين هؤلاء وأولئك، “طمّاعين” يستقطبهم “كذابين” مثلما تستقطب قطعة مغناطيس كمشة براغ، سرعان ما تتساقط على رأسها أرضا، بمجرّد أن تلمسها قطرات ندى أو قطع جليد بارد!
عندما تختلط المفاهيم والأهداف والنوايا، من الطبيعي أن يتقدّم إلى “ميدان الحرب” من كان نائما أو منوّما في الصفوف الخلفية، وتصبح معركة المعارك غير متكافئة، وتـُدار بالقصب الأجوف وهراوات “الخلخة”، ويدخل السباق من لا يستطيع شدّ الأنفاس وقرع الأجراس، وتظهر “كائنات” غريبة يسألها المتسائلون: من أنتم؟