العرب سنة 2030
كل المؤشرات تشير إلى أننا على موعد كبير من تغير أكبر من التغيرات الفجائية التي أحدثها الربيع العربي قبل أن تلتف على هذه الثورات “ثروة الخريف” المضادة. فما حدث خلال السنوات الأخيرة من تململ في النظام العربي النظامي، والذي سرعان ما سارعت قوى المال والعسكر لإخماد فتيل الانفجار الذي كان سيطال بقية دول العالم العربي التي لم تشهد تغيرات في بنية السلطة من جيل أو أكثر، ما حدث، لم يكن ثورات بالمعنى التقليدي للعبارة، بل كان انتفاضات شعبية أججتها قوى أحيانا إقليمية أو دولية، لكنه، لا يمكن أن نقول أن هذه الانتفاضات كانت وليدة عمل خارجي! فإذا كان هناك عمل خارجي، فالخارج لم يأت إلا لركوب القطار وهو ماشي من أجل قيادة هذه الانتفاضات نحو نتائج ترغبها هذه القوى وليس هي من تفجر الثورات الشعبية! بالتأكيد هناك لوبي عالمي قوي من أجل التحكم في الدول والأنظمة، لكن هذا اللوبي، وأخص به لوبي من يسمون بـ”المتنورين” الماسونيين، لا يشتغل ضمن دائرة الشعوب، لأنه لا يرى في الشعوب سوى مجرد قطيع يتبع الراعي! والراعي هو ما يهم مثل هذه الحكومة الخفية التي تسير العالم بأسره والتي هي من تصنع السلاطين والملوك والرؤساء والأمراء، وتتحكم في المال والقوة والنفوذ. الشعوب بعيدة عن اهتمام الماسونية، لأن الماسونية تعمل مع الأنظمة وتشتعل بها، إذ، لا يمكن أن يبقى رئيس أو ملك أكثر من 20 سنة دون أن يكون مدعوما من طرف هذه القوى، وإلا لقتل أو أنهيت مهامه بانقلاب أو تصفية. والنماذج عندنا كثيرة. لهذا لا يعتقد أحد مثلا، أن السيسي في مصر اليوم هو الكل في الكل، بل هو مجرد بيدق، سيدق عندما يحين وقت دكه، أو عندما لا يعود مفيدا أو تستنفد مهامه.
نمت على هذا التساؤل حول مآل العالم العربي القريب بعد سلسلة الانفجارات التي ستتوالى تباعا في السنوات القريبة العاجلة، والتي نتوقع أن تكون أقوى وأعنف وتحدث تغييرا أعمق من تلك الخدوشات التي أحدثتها تلك الانتفاضات الموءودة أو المحتواة.
نمت لأجد نفسي في 2030. الوضع بدا لي لم يعد هو نفس الوضع الذي كان عليه قبل 15 سنة! الخريطة العربية السياسية تغيرت، بل حتى الجغرافية. اليمن، عاد أكثر من يمن واحد، والسعودية لم تعد بنفس القوة النفطية والمالية بعد أن دب الوهن في جسد المملكة بسبب الخلافات الداخلية بين الأمراء الـ7 آلاف! تقلص حجمها السياسي، خلق فتنا داخلية وحتى الحج والعمرة لم يعودا مدخولين أساسيين للعملة بعد النفط. طريق الحج والعمرة صار خطرا، والمسافر إلى المملكة صار كالمسافر قبل 15 سنة إلى ليبيا أو العراق أو سوريا. دول الخليج كلها تعاني من ظهور اضطرابات وفتن طائفية وفرقية وحزبية وخلافات بين العائلات الحاكمة والمالكة. الإسلام السياسي يتطور وينمو بشكل ملحوظ. الإسلاميون في مصر عادوا بقوة بعد أن انتهى دور السيسي الذي قضى في حادث مريع لا يختلف كثيرا عن نهاية سيده موقع اتفاقية كامب ديفيد. الشارع انتفض ضد الغلاء والظلم والقهر والفقر والكهرباء والماء والخدمات المضمحلة، وعودة النظام القديم بصورة أبشع وألعن من نظام مبارك! ظل المواطن المصر على سلميته، وقلب الموازين رأسا على عقب. الجيش لم يفلح في القتل أكثر مما قتل. والعالم الحر على قلة أعضائه، تدخل لفضح النظام القائم في مصر، مما سهل العمل للشارع ليسترد قوته وبأسه.. والوضع لم ينته بعد. النظام الذي فقد المال الخليجي بسبب تدهور هذه البلدان داخليا وخارجيا واقتصاديا وتجاريا وخارت قواه في دعم مصر، والسعودية، هذا النظام، لم يعد قادرا على مواصلة السيطرة ولو بالقوة على شعب فقد الكل السيطرة عليه وفقد هو الآخر السيطرة على أعصابه.
في سوريا، نظام الأسد انتهى إلى الأبد وحوكم الأسد وأعدم هو وأعوانه في النظام، غير أن الاقتتال بين الأشقاء لايزال قائما بعد أن تدخلت قوى الظلم والاستكبار في دعم الجيش العلماني والقوى المناوئة للتيار الديني، وصار كل التيار الديني ينظر إليه على أنه “فصيل من داعش الإرهابي”. كل من يقول لا إله إلا الله صار عالميا إرهابيا، هذا ما زاد في شعبية داعش وصولة هذا “الإرهاب”. لقد تقوت شوكة الإسلاميين على خلافاتهم بعد أن تفهمت إيران أن مستقبلها وأمنها مرهون بالوقوف إلى جانب الثورة في سوريا وليس وقوفها مع نظام منهار ومجرم. إيران صارت القوة الإسلامية الوحيدة في المنطقة، بعد أن استفادت من انهيار السعودية ومصر ودول الخليج وسوريا والعراق اللتين صارتا حليفتين أساسيتين لها رغم الصراعات التي لاتزال تنخر النظام الجديد. مع ذلك، إيران خرجت أقوى من الكل.. حتى من إسرائيل! إسرائيل التي كان الكل يعول على أنها ستكون أقوى دركي عالمي في المنطقة، صارت أنتن من أية جيفة على قارعة الطريق! العالم الحر كرهها وكره رائحتها النتنة التي تبناها “النتن ـ ياهو” وباقي النتانات التي من بعده ومن قبله. إسرائيل لم تعد هي الأقوى بعد ما دب في أوصالها صراع الأجنحة والفساد والمال والخيانات الداخلية والتواطؤات الخارجية والعمل لحساب أجندات خفية ومصالح خاصة فردية وأنانية، تجارية وربحية. حتى أن فضيحة هزت الكيان الإسرائيلي عندما اكتشفوا أن لوبيا ماليا كان يمول إيران بالسلاح الإسرائيلي والأمريكي، مما جعل إيران تتفوق عسكريا ونوويا على إسرائيل.
الكل يتحدث هذه الأيام عن إمكانية ظهور الإمام المهدي المنتظر..
الغريب في كل هذا، أن دول المغرب العربي لم تتغير كثيرا، كل ما حدث هو أن الحديث يدور حول جهود فخامة الرئيس بوتفليقة الذي صار عمره الآن 90 سنة، من أجل أن يكون المهدي المنتظر من أصل جزائري..!
وأفيق وأنا أصرخ مناديا حفيدي الصغير: آآآالمهدي… غير ما تجيش… غير اقعد.. مازال الحال..!