العلمُ الذي لا علم فيه!
دور المتحدثين في الدين الذين وقفوا النشاط العلمي، يظهر أولاً في البحوث الكلامية الغيبية، والفروع الفقهية الوهمية، والكراسات التي حفلت بحَشْو لا آخر له، ثم عدَّت ذلك كله هو العلم الذى لا علم معه. وبذلك قطعت الطريق على طب ابن سينا، وكيمياء جابر، وبصريات ابن الهيثم، ولوغاريتمات الخوارزمي. بل إن معرفة التقدم العلمي عند العرب لا تجد مراجعة إلا في مكتبات الغرب، وعند المنصفين من المؤلفين الأوروبيين! أما جهود آبائنا في الكون والحياة والطب والفنون الحربية فهي أقل من أن تذكر أو يؤرخ لها!
إن الجهاز العصبيّ للإنسان يضنيه ما اخترعه الغلاة والمخرفون من عبادات وأوراد، ولا يبقى له وقت يستجمُّ فيه، ويعكف بعده على التأمل والاختراع.. عندما يكلَّف مسلم بعد ما ورد من أذكار اليوم والليلة أن يقول: “يا لطيف” عشرة آلاف مرة، فماذا يبقى له من فكر يكتشف به المجهود أو يخترع به شيئا؟ لو استراح في نومه وقام، يتدرَّب على عمل عسكري في البر أو البحر أو الجو، لكان ذلك أجدى عليه وعلى الإسلام.. إن ربنا -تبارك اسمه- أعفى المجاهدين من قيام الليل حتى يوفر لهم القدرة على جهاد النهار، وكذلك أعفى التجار حتى يتفوقوا في الميدان الاقتصادي، وقال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: “من قام بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه”. لكن الفكر العام عند جمهور المسلمين أن علوم الكون والحياة نافلة، ونحن نستميت في تفهيم الشباب الآن أن كلمة التوحيد مهددة ما لم نبرع في هذه العلوم.. وقد رأيت أحد طلاب الطب يقتني أسفاراً ضخمة في الفقه والحديث، فأشحت عنها قائلا: أولى بك أن تقتني هذه الأسفار الضخام في المعرفة التي تخصصت لها، لماذا لا تنافسون أطباء لندن وباريس في رسوخهم وشموخهم بالمزيد من الاطلاع والتعمّق؟ وذكرت أن طبيباً شاباً من أصدقائي كان يتحدث مع أستاذ له في الخلية الحية، فإذا الأستاذ يمد يده إلى رفًّ قريب ويتناول مجلداً كبيراً ويناوله الطبيب الدارس، وإذا المجلَّد كله عن “الخليَّة” الحية وما أودع الله فيها من أسرار! إن ألوفاً مؤلفة من الكتب العلمية تساند الحضارة الحديثة، وتضمن لها هيمنة على شئون الدنيا في كل ناحية من نواحي الحياة، والقوم يدرسون بعشق هذه المواد كلها في الوقت الذى أجد فيه طالباً جامعيّاً في إحدى الكليات العملية مشغولاً بالرد على الجهمية! (“مشكلات في طريق الحياة الإسلامية”).