-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الغث من السمين في التعديل الهزيل

حبيب راشدين
  • 920
  • 0
الغث من السمين في التعديل الهزيل

نقرأ في الرسالة المرفقة بمسودة التعديل الدستوري هذه الفقرة في ظاهر القول، تؤكد أن التعديل إنما يهدف إلى “ملاءمة القانون الأسمى للبلاد مع المتطلبات الدستورية التي أفرزها التطور السريع لمجتمعنا، والتحولات العميقة الجارية عبر العالم”، وتعد الفقرة التي تليها بحرص التعديل على “تعزيز الفصل بين السلطات، وتدعيم استقلالية القضاء ودور البرلمان، ودسترة التداول الديمقراطي على الحكم، ودعم ضمانات احترام عدم تحيز الإدارة، وحماية الاقتصاد الوطني من خلال محاربة الرشوة الفاعلة والسلبية، وإقرار مصادرة الممتلكات المكتسبة بفعل الرشوة”.

وللأمانة، فهذه وعود طيبة للوهلة الأولى، لو كان في نص المسودة ما يترجمها إلى أحكام دستورية صريحة لا لبس فيها، وقد بينت في مقال الأربعاء، كيف أن التعديل قوض مبدأ الفصل بين السلطات، واختزلها في سلطة مركزية شبه مطلقة بيد الرئيس، المعفى من الرقابة والمساءلة. وعلى هذا النحو جاءت بقية التعديلات تستبطن عكس ما تعد به، سواء ما تعلق منها باستقلالية القضاء، أو تحييد الإدارة، أو حماية الاقتصاد الوطني من الفساد والمفسدين.

لنتوقف بقدر من حسن الإصغاء عند الوعد بتدعيم استقلالية القضاء، حيث ادعى التعديل حماية القاضي “من كل أشكال الضغوط والتدخلات والمناورات، بإقرار حقه في التماس المجلس الأعلى للقضاء في حالة تعرضه لإحدى هذه الحالات”، وهو حكم دستوري لا يضيف مثقال ذرة من الحصانة والحماية للقاضي، حين نعلم كيف يصل من يصل إلى عضوية المجلس الأعلى للقضاء، ولمن ينبغي أن يدين بنعمة العضوية، وقد كان التعديل سيفي بالغرض، لو أنه نص على حماية حرية انتخاب أعضاء ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، وتكفل المجلس حصريا بمهام التعيين والترقية ومحاسبة القضاة، دون تدخل من السلطة التنفيذية، ومنح النيابة العامة وقضاة التحقيق نفس القدر من الاستقلالية.

وبنفس القدر من الحرص، كان يفترض أن يعالج مبدأ تحييد الإدارة بأحكام دستورية تحمي الموظف العمومي من استبداد رئيسه المباشر، بأن يلزم فقط بطاعة رئيسه، في ما لا يدخله في مخالفة صريحة للقانون، وأن يضمن له الدستور والقانون قنوات التظلم، بما في ذلك الاحتكام إلى القضاء، أما الاكتفاء بالقول كما  جاء في المادة 23  بعبارة “المساس بعدم تحيز الإدارة يعاقب عليه القانون” فإن التعبير الركيك يشي أصلا بغياب الجدية في معالجة آفة انصياع الإدارة لمن بيده السلطة، فضلا عن كونه بوابة مفتوحة لمرور الفساد المالي، والمحسوبية، وتسخير مؤسسات الدولة لخدمة المصالح الخاصة.

الاستخفاف بعقل المواطن يشهد عليه التعديل الوارد في المادة 21 “كل ملك يكتسب عن طريق الرشوة، مهما كانت طبيعته، يكون محل مصادرة طبقا للقانون” . لأن المادة كانت قد ذكرت في فقرتها الأولى أنه “لا يمكن أن تكون الوظائف أو العهدات في مؤسسات الدولة مصدرا للثراء، ولا وسيلة لخدمة المصالح الخاصة”، وكأن الرشوة هي المصدر الوحيد للتكسب والتربح، حتى لا تصادر سوى الأموال التي تأتي عن طريق الرشوة، التي قلما يضبط أصحابها في حالة تلبس، ويغض الطرف عما سواها من طرق التكسب الفاسد، عبر الوظائف السامية والمواقع التمثيلية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!