الرأي

الغلوّ في تبرير الغلوّ!

سلطان بركاني
  • 1721
  • 0

في الأيام القليلة الماضية، نشر الداعية الأردني “إياد قنيبي” المعروف بصوْلاته في الردّ على دعاة الإلحاد والعلمانية والمذاهب الإنسانية والنسوية، بأسلوبه العلميّ الرصين وأخلاقه العالية، كلمة يعرض فيها رأيه في قصيدة يُفهم من ظاهر عباراتها الغلوّ في النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ويَنصح إخوانه المسلمين بأن يدَعوا ما يريبهم إلى ما لا يريبهم ويحتاطوا لدينهم بترك إنشاد مثل هذه القصائد، عملا بوصية النبي الهادي -عليه الصلاة والسلام-: “لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، إنّما أنا عبد؛ فقولوا عبد الله ورسوله”.. لكنّ بعض المتعصّبين أبوا إلا أن يعلنوها حملة تشويه تستهدف البروفيسور قنيبي الذي لم تشفع له عندهم سابقته في الدفاع عن دين الله والمرابطة على ثغوره، بل ولا تواضعه الظّاهر في كلمته التي كتبها!

 معروف عن الدّاعية “قنيبي” بُعده عن الخلافات التي تشقّ الصفّ الإسلاميّ، وتُعرّي ظَهر المسلمين أمام المتربّصين وأمام دعاة المذاهب، وإن نصح لبعض طوائف الأمّة، فإنّه ينصح بكلّ رفق وتواضع ورحمة، وإذا تحدّث في بعض المسائل الخلافية التي تدعو الحاجة إلى الكلام فيها نصيحة للمختلفين، فإنّه يتحدّث بأسلوبه العلميّ المعهود منه وبأدبه الجمّ الذي يزيّن كلماته وكتاباته، ولكنّ كلّ هذا لم يكن شافعا عند هواة البحث عن الزّلات؛ فاتّهموه بالأخذ عن المواقع الإلكترونية السلفية وبالتعصّب للتوجّه السلفيّ وعدم مراعاة التوجّهات الأخرى في الخلافات العقائدية والفقهية! وراح هؤلاء المتعصّبون يدافعون عن الكلمات التي يفهم منها الغلوّ في قصائد المديح والتي يصل بعضها إلى الاستغاثة بالنبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- وطلب المدد والعون منه!

الداعية قنيبي لم يأت منكرا من القول وزورا، ولم يسئ إلى الشّفيع المشفّع -عليه الصّلاة والسّلام- بكلمة أو إشارة، ولم يتبنّ قولا لا سلف له فيه، ولا رأيا يلحق من يأخذ به ضررٌ في دينه أو دنياه، بل إنّ ما نصح به قنيبي هو -في أقلّ مراتبه- الأحوط الذي يؤجر من مال إليه، لأنّ أئمّة الإسلام على اختلاف مذاهبهم قد أجمعوا على أنّ الاستغاثة بالله وحده ودعاءه بأسمائه وصفاته، أفضل وأنفع للعبد، امتثالا لقوله سبحانه: ((وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)).. ثمّ إنّنا مهما تأوّلنا كلمات تلك القصائد التي ظاهرُها الغلوّ على محامل غير التي تفهم من ظاهرها، فإنّ الأسلم هو تركها إلى غيرها من الكلمات الحسنة التي تصف النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- بما هو ثابت له بنصوص الكتاب والسنّة، وقد روى البخاري عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنّها قالت: دخل علي النبي -صلى الله عليه وسلم- غداة بُني علي، فجلس على فراشي، وجويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين”، نهاها النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن هذا القول، مع أنّه يمكن أن يحمل على علم النبيّ بما يخبره به ربّه سبحانه مما هو كائن في غد، وفي موطن آخر قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للذي قال له: ما شاء الله وشئت: “أ جعلتني لله عدلا، بل ما شاء الله وحده”.. وهكذا ينبغي ترك كلّ قول يمكن أن يُفهم منه نسبة ما هو من خصائص الربوبية والألوهية إلى النبيّ الأكرم -عليه الصّلاة والسّلام- الذي قال له ربّه سبحانه: ((قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (الأعراف: 188).

الأغرب في أمر بعض المتعصّبين أنّهم ذهبوا بعيدا في الدّفاع عن الاستغاثة بالموتى من الصّالحين، وفي تبرير سلوك كثير من المفتونين بالأولياء والصّالحين، ممّن يوجّه الواحد منهم نداءه مباشرة إلى صاحب القبر ويطلب منه حاجته! يبرّرون لهم قولهم وينكرون على من ينكر عليهم، بل يهاجمون المنكِر ويتّهمونه بأنّه يكفّر المسلمين ويرميهم بالشّرك، وربّما اتّهموه باستباحة دمائهم وسبي نسائهم!

يقول العالم الدّاعية محمّد الغزالي -رحمه الله- في كتابه “عقيدة المسلم: ص75- 76”: “وقوله تعالى: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ)) ليس تصريحا ولا تلميحا إلى جواز التوسل، والآية ناطقة بأنَّ المجيء للظفر باستغفار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وذلك بداهةً في أثناء الحياة لا الموت… فإذا كان بعض الناس يحكي أموراً عن مجيئه للرسول -صلى الله عليه وسلم- في قبره، وأنه سلم فسمع الرد، ثم حظي بتقبيل اليد، فهو بين حالتين: إمّا أن يكون كذَّابا فلا قيمة لكلامه، وإما أن يكون مجذوبا، يعني مجنونا، تخيَّل فخال، ولا قيمة لكلامه كذلك.. ونحن لا ندع كتاب ربِّنا وسنة نبينا لهذه الحكايات. أمَّا ذلك الذي يوجب التوسُّل ويرى أنَّ تأثير الميت أقوى من الحي، فهو رجل مخبول، وزعمه بانتفاء الشرك مادام الاعتقاد أنَّ الفاعل هو الله، كلامٌ فارغ، وقد أبَنـَّا أنَّ المشركين القدماء كانوا يعرفون أنَّ الفاعل هو الله، وأنَّ توسَّلهم كان من باب ((ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى))، وأنّ ندمهم يوم القيامـة، إنّما هو على تسويتهم المخلوق بالخالق: ((تالله إنْ كنَّا لفي ضلال مبين، إذ نسوِّيكم برب العالمين))، وهناك عشرات الآيات تؤكد هذا المعنى.. سيقول بعض الناس: إنَّ القدماء كانوا يعبدون، أما عوامّ اليوم فهم يدعون ويسألون فقط، وشتـَّان بين عبادة الجاهلين، وتوسُّل المحدثين بأولياء الله، ونقول: هذه مغالطة، فالسؤال والدعاء بنص القرآن عبادة محضة: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ))، وفي الحديث: “الدعاء مخ العبادة”، فلماذا نتوجّه إلى البشر بما هو من خصائص الألوهية؟! وإذا وقع الجهال في تلك الخطايا بغباوتهم، فلماذا لا نسارع إلى إنقاذهم منها، بل تزوير الفتاوى؟”.

ويقول الشّيخ الغزالي أيضا: “ولماذا نستحي من وصف القبوريين بالشرك، مع أن الرسول وصف المرائين به، فقال: “الرياء شرك؟ وإنّ واجب العالم أنْ يرمق هذه التوسلات النابية باستنكار، ويبذل جهده في تعليم ذويها طريق الحق، لا أن يفرغ وسعه في التمحُّل والاعتذار، ولستُ ممن يحب تكفير الناس بأوهى الأسباب، ولكنْ حرام أن ندع الجهل بالعقائد ونحن شهود.. أيّ جريمة يرتكبها الطّبيب إذا هو طمأن المصدور ومنع عنه الدّواء، وأوهمه أنّه سليم معافى؟ إنّ ذلك لا يجوز” (عقيدة المسلم: ص73).

مقالات ذات صلة