الجزائر
تعددت نصائح المخابر والمختصين مع اقتراب الرئاسيات:

الفرنسيون يبحثون عن سيناريوهات للتعاطي مع الجزائر

محمد مسلم
  • 989
  • 0
ح.م
تعبيرية

معهد مونتين: إسقاط اتفاقية 1968 ومخاطرها على العلاقات الثنائية

كثرت التوجهات والنصائح من مراكز البحث والمختصين الفرنسيين، بشأن التعاطي مع السلطات الجزائرية في ظل الأزمة التي تعصف بالعلاقات الثنائية، وهي المساعي التي تأتي على مقربة من انتقال سياسي يبدو محفوفا بالمخاطر في فرنسا، في ظل احتمال قوي لوصول اليمين المتطرف، لأول مرة، إلى قصر الإيليزي.
الجديد في هذا الملف، هو قيام معهد “مونتين” الفرنسي المرموق، بدراسة حاول من خلالها تلمس السيناريوهات المناسبة لتعامل باريس في المرحلة المقبلة مع الجزائر، في ظل التوترات التي تطبع العلاقات بين البلدين على العديد من الأصعدة، وفي مقدمتها الهجرة والاقتصاد والتجارة واللغة..
الدراسة جاءت بعنوان “فرنسا – الجزائر: سيناريوهات تجاوز العاطفة”، وقد رسمت ثلاثة خيارات للسياسة الفرنسية تجاه الجزائر، وهي تدعو الحكومة الفرنسية إلى اتباع نهج عملي في هذه العلاقة، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة العام المقبل، وفق ملخص منشور على موقع مركز البحث على الأنترنيت في العاشر من الشهر الجاري.
وتزعم الدراسة أنها ابتعدت عن النهج العاطفي من أجل مساعدة السلطات السياسية على بناء موقف براغماتي. وقد صيغت الأولويات انطلاقا من انشغالات الطرف الفرنسي وبعيدا عن الطرف الآخر، وتم تحديدها في الهجرة والعلاقات الاقتصادية وكل ما تعلق بالذاكرة والهوية (اللغة).
وبالنسبة للهجرة فتقول الدراسة إنها تشكل هاجسا بالنسبة لفرنسا، لكون الجزائر تعتبر الدولة الأولى التي يحصل رعاياها على تصاريح إقامة أكثر من غيرهم (650 ألف تصريح في عام 2024)، وهي ما أسمته الدراسة (الهجرة القانونية)، التي تؤطرها بشكل خاص اتفاقية 1968، التي ترسخ نظاما خاصا لحركة وعمل وإقامة المواطنين الجزائريين وعائلاتهم، وهو معطى قالت إنه يتعارض مع أولويات سياسة الهجرة الفرنسية.
أما الجانب الثاني من هذا المحور، فيتمثل في الهجرة غير الشرعية، وإدارة شؤون السكان الجزائريين المقيمين في فرنسا، وعودة المواطنين الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات طرد من مصالح الهجرة في فرنسا، وهي واحدة من المسائل الخلافية التي تراجعت الخلافات بشأنها منذ مغادرة وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو روتايو، السنة المنصرمة.
أما المحور الثاني فتمثل في العلاقات الاقتصادية، التي توليها باريس أهمية قصوى بالنظر لأهمية الجزائر بالنسبة لباريس. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 11 مليار يورو في عام 2024، وهو مستوى أقل من حجم التبادل التجاري مع المغرب أو تونس، تقول الدراسة. ويتركز هذا التبادل بشكل أساسي على الوقود الأحفوري (المحروقات)، الذي يمثل أكثر من نصف حجم التبادل التجاري ونحو 90 بالمائة من الواردات الفرنسية من الجزائر.
وتعتقد الدراسة أنه وعلى الرغم من امتلاك فرنسا محفظة استثمارية متنوعة للغاية في الجزائر، إلا أن إمكانات العلاقة الاقتصادية لا تزال غير مستغلة إلى حد كبير. علاوة على ذلك، تواجه فرنسا منافسة متزايدة من دول مثل إيطاليا والصين وتركيا، التي تتقدم بينما تتأخر فرنسا.
ويتمثل المحور الثالث للدراسة في “مجموعة من القضايا الأوسع نطاقا، المرتبطة بالفرانكوفونية والذاكرة والجغرافيا السياسية”. وتوقفت الدراسة عند تراجع مكان اللغة الفرنسية في الجزائر تحت تأثير التعريب وصعود اللغة الإنجليزية، بداية من السنة الدراسة الجديدة التي شهدت لأول مرة في تاريخ الجزائر، دحرجة الفرنسية إلى الرابعة مقابل تقدم الإنجليزية إلى السنة الثالثة في الطور الابتدائي، وهو ما تسبب في جدل كبير في الأوساط السياسية والإعلامية في باريس.
واعترفت الدراسة بفشل مشروع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في ملف الذاكرة، مثلما تسبب الموقف من قضية الصحراء الغربية في أزمة غير مسبوقة بين البلدين، فيما زعمت بوجود توافق حول قضايا إقليمية أخرى، على غرار منطقة الساحل، التي تحولت إلى هاجس باريس في السنوات الأخيرة، بعد ما تم اصطيادها هناك من قبل الحكومات المحلية.
ولمواجهة كل ذلك، ترسم الدراسة ثلاث سيناريوهات، الأول وهو مواصلة فرنسا سياستها الحالية والتي لم تتمكن من معالجة المشكلات الأساسية، أو تبني خيار القطيعة، بمضيّها من جانب واحد في إسقاط العمل باتفاقية 1968، الأمر الذي من شأنه تفجير أزمة دبلوماسية قد يصعب تجاوزها، أما السيناريو الثالث فيتمثل في “التخفيف من حدة التوتر” من خلال تبني نهج أكثر تحفظا في إدارة هذه العلاقات.
وانطلاقا من تلك السيناريوهات توصي الدراسة بتبني الخيار الثالث مع المزاوجة بين الخيار الأول والثاني، أي وقف العمل باتفاقية 1968، مع الحفاظ على الانفتاح على أوجه التقارب وفرص التعاون، وخاصة في المجالات الاقتصادية والجيوسياسية، وهو مخرج لا يمكن للجزائر أن تنخرط فيه وفق تصريحات غير رسمية، لأنها اعتبرت اتفاقية 1968 خطا أحمر، باعتباره امتدادا لاتفاقيات إيفيان.
وبرزت في الآونة الأخيرة رؤى واجتهادات من مختصين، تنزع نحو مقاربة وسطية في العلاقات الجزائرية الفرنسية، تدعو إلى تفادي التصعيد، في محاولة لتشكيل رأي عام فرنسي عكس ما يذهب إليه بعض مرشحي اليمين المتطرف للانتخابات الرئاسية الفرنسية، في صورة مارين لوبان، التي تعتبر من الداعين على التشدد في العلاقات مع الجزائر.

مقالات ذات صلة