الفناء المبرمج؟
تعتبر مؤسسة سوناطراك، أو بقرة الجزائر الحلوب التي تكاد تكون عامل الحياة الوحيد في الجزائر ومصدر النهب والاختلاسات لكبار المسؤولين وبارونات النظام، من المؤسسات الجزائرية الأقل استقرارا والأكثر إثارة للجدل وعرضة للتلاعبات والرهانات السياسية والاقتصادية، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة وخاصة منذ السنتين الأخيرتين اللتين شهدتا تعاقب أربعة رؤساء مديرين عامين على رأس المؤسسة.
-
حالة اللااستقرار هذه وصلت درجة المأساة الحقيقية مع الطريقة التي أقيل بها المدير السابق منذ أيام وعين بها المدير الجديد الذي لا جديد في برنامجه أو خطة عمله سوى المزيد من الاستنزاف للثروة النفطية الوطنية بتكثيف عمليات التنقيب والاستخراج والتسويق، ليس من أجل تنمية القطاع الإنتاجي والاقتصاد خارج المحروقات، ولكن لخدمة المصالح الخاصة والتبذير ومحاولة شراء السلم الاجتماعي..وفي ظل المزيد من الضبابية وصراع المصالح الخاصة الضيقة في هذه الشركة والذي وصل إلى حد الاستحواذ على حصص كاملة من بعض الآبار وبيعها للحساب الخاص مثل ما كان يحدث خلال السنة الماضية -على الأقل- مع إنتاج حقل البورمة على الحدود التونسية جنوبا الذي كان مجهولون يستحوذون على جزء منه ويصدرونه إلى تونس دون المرور على مصالح الجمارك والإجراءات القانونية المعمول بها، مما يؤكد للعام والخاص في الداخل والخارج أن الثروة النفطية الجزائرية كانت ومازالت وبالتحديد منذ بداية تسعينيات القرن الماضي محل صراع مصلحي مميت في مستويات مختلفة من هرم السلطة والنظام مما يبعث على الاعتقاد بأن ثمة برنامجا محداد ومدروسا بكوطات سرية تجعل النظام في بحث دائم عمن يحققها ويضمن توزيعها عبر هذا الهرم؟
-
ولذلك فإن الاستقرار الوحيد المنشود من طرف السلطات لسوناطراك هو الاستقرار على وتيرة عالية من الإنتاج والتسويق مع إبقائها بعيدة كل البعد حتى عن رقابة البرلمان أو أي هيئة رقابية أخرى وعن أي انفتاح عن الشراكة الأجنبية التي من شأنها إضفاء الشفافية والدقة على التسيير والحسابات.
-
وما يفسر الأزمة الحالية بسوناطراك، في جوانب أخرى، هو الظرف العصيب الذي يمر به النظام كبقية الأنظمة العربية في ظل الانتفاضات الشعبية التي تعصف بالعالم العربي والتي يُعتقد في الجزائر أنه يمكن تفاديها والالتفاف عليها بشراء السلم الاجتماعي وتجنيد موارد المحروقات من نفط وغاز لهذا الغرض، خاصة مع استبعاد الحلول السياسية للأزمة التي تتخبط فيها الجزائر والاكتفاء بالتصرفات البالية للحزب الواحد والشخص الواحد والقرارات الأحادية التي تحولت إلى مهازل يتداولها البرلمان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي وبقية جمعيات المجتمع المدني المأجور، فيما الحل الجذري لهذه الأزمة يتطلب من النظام المواقف الشجاعة والتضحية ولو الجزئية بمصالحه وأنانيته بدل مواصلة سياسة الهروب إلى الأمام وشراء الذمم والغلو في الفساد على حساب مستقبل الأجيال وتعريض الثروات الوطنية للفناء؟