القدس.. من صيحةٍ في وجه الأنظمة إلى صيحة في وجه الشعوب
حتى تلك المسيرات التي كانت تهزّ بعض العواصم العربية توقفت.. حتى تغريدات الفايسبوك والتويتر انقرضت.. حتى الدموع التي كانت تسيل لأجل فلسطين جفّت.. وباء اللامبالاة لم يتوقف عند عضو الأنظمة العربية والإسلامية فقط، بل استشرى في كل بدن الأمة خاصة في شعوبها.
في الوقت الذي تمكن عشرات الآلاف من السوريين والعراقيين من بلوغ أقصى شمال أوربا وأستراليا والولايات المتحدة، حيث يوجد أكثر من مئة ألف لاجئ ولاجئة قدموا بأبنائهم من رضّع ومعوقين إلى السويد وإيلسندا والنرويج، بقيت شوارع الدول العربية بما فيها دمشق وبغداد من دون متألم واحد من أجل القدس الشريف ومن أجل أهل فلسطين التي بقي القليل من أبنائها صامدين، من أجل إنقاذ بيت المقدس، الذي تطاله حاليا أكبرُ عملية لتحريف وتزوير تاريخه وهيكله العام. والشعوب العربية نجحت نسبيا في بعض البلدان، من خلال ثوراتها الاجتماعية والسياسية في قلب النظام، وبلغ اعتصام المصريين ومطالبهم بتنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك ثمانية ملايين نسمة، ولكنهم لم يعتصموا أبدا من أجل طرد السفير المصري الذي أجبر القاهرة على أن ترفع الراية الصهيونية غير بعيد عن مآذن الأزهر. كما تمكن شيعة العراق من حشد الملايين من العراقيين لمعاداة سنّة العراق، ولا أحد دعا إلى معاداة الصهيونية، وعادى سنّةُ سوريا العلويين بحشد ديني واجتماعي وسياسي، ولا أحد نادى بمسيرة إلى الجولان المحتلة.
لقد كان الانتقاد دائما لبشار الأسد وقبله لوالده حافظ الأسد، الذي لم يبذل طلقة نار واحدة من أجل تحرير الجولان وهو انتقادٌ في محله، ولكن الانتقاد للشعب السوري أيضا الذي غامر بحياته بحرا وبرا، وبأهله كبارهم وصغارهم لأجل الوصول إلى شمال السويد، لم يحدث أبدا أن توجّه مواطن سوري واحد مشيا أو عبر أي وسيلة إلى الجولان، مطالبا بطرد الصهاينة الذين تمكنوا من الهضبة وضمّوها إلى دولتهم منذ عام 1967. لقد كان السوريون أنفسهم يقولون إن نظامهم هو الذي كتم أنفاسهم وجعلهم يهادنون في السرّ والعلانية الصهاينة، ولكن نظامهم الآن وهنَ وضعُف وربما هو على وشك السقوط، ومع ذلك بدا أن همّ هذا المواطن السوري مثل العراقي وغيره من الشعوب العربية هو الوصول إلى بلاد الغرب الساحر، حسب رأيه.
ومعلومٌ أن كل البلدان الغربية التي زحف نحوها السوريون والعراقيون من دون استثناء بما فيها تركيا تعترف بالدولة الصهيونية، ولها معها علاقاتٌ تجارية وعسكرية وتمتلك سفارات قارّة على أراضيها، وجميعها كان سببا مباشرا أو غير مباشر في الذي حصل في سوريا وفي العراق، والذين دهشوا لعدم استجابة الأنظمة العربية للصيحات التي أطلقها القدس الشريف، منذ المحرقة إلى عملية التدنيس والتهويد الحالية، عليهم أن يندهشوا أيضا لعدم تحرّك الشعوب التي تفوق أعدادها أعداد الصهاينة بعشرات المرات وتفوق أموالهم أموال الصهاينة بآلاف المرات.
المشكلة هذه المرة في قضية جمعة نصرة الأقصى التي مرت صامتة أمس، لم تبق في حدود الدول العربية والإسلامية، وإنما انتقلت أيضا إلى أوربا، عندما بدا الملايين من المسلمين غير معنيين إطلاقا، بما يحدث في عاصمة فلسطين الأبدية، في الوقت الذي توغّل فيه اليهود والصهاينة في دواليب المال والأعمال والسياسة والإعلام الغربي اكتفى أصحاب الملايير من العرب بشراء متاع الدنيا فقط، وبقيت المليونيات تخصّ فقط مظاهرات الزيت والسكر والحليب والشغل والسكنات من فلسطين إلى المغرب، مرورا بسوريا ومصر وتونس والجزائر، والشعوب العربية بإمكانها أن تهز عرش أي حاكم كما حدث أن تابع العالم، ولكنها تتكئ على مقولة أن الأنظمة هي سبب خذلانها، فكان جمعة نصرة الأقصى جمعة آخر للهزائم.. ويبدو أن الشعوب اقتنعت بأن للبيت ربا يحميه ولمقدساتهم ربا يحميها ولأعراضهم وأراضيهم ربا يحميها.