الرأي
هذا ما قام به الدكتور فاضل الجمالي لتفعيل

القصة العراقية في دعم الثورة الجزائرية الجزء الثاني والأخير

بقلم: د. ياسر عبد الحسين / د. فاطمة الجمالي
  • 394
  • 0

الدعم الاقتصادي للحراك الجزائري كان من المسائل التي شغلت بال الجمالي، إذ لم يكن في الموازنة العراقية بند خاص لمساعدة الجزائر، إنما كان فيه بند عام يتضمن ربع مليون دينار يستخدم للدعاية وغيرها، علما أن الدينار العراقي وقتها كان يساوي ثلاثة دولارات تقريبا. وقد نجح الدكتور الجمالي بإقناع البلاط ورئيس الوزراء للصرف من هذا البند لدعم القضية الجزائرية. وتم الدفع فعلا لزعماء الجزائر إما مباشرة أو بواسطة الملك محمد الخامس عاهل المغرب آنذاك. ولكن المبلغ من الحكومة العراقية لم يتجاوز مقدار مائة ألف دينار سنويا، وهو مبلغ لا يكفي لحاجات الثورة الجزائرية حسب رأي الجمالي.

ولذلك، وفي عام 1956 بدأ الجمالي حملة لجمع التبرعات من الشعب العراقي مباشرة وذلك بعد تأليف لجنة مخصصة لذلك باقتراح من رئيس الوزراء في حينه نوري السعيد على ألا يتجاوز ذلك مبلغ خمسين ألف دينار. لكن الجمالي رأى أن ذلك المبلغ غير كاف للغرض المقصود ولا يليق بكرم الشعب العراقي. وضمت اللجنة التي ترأسها بنفسه الشيخ أمجد الزهاوي، وطالب مشتاق مدير البنك العربي في بغداد كأمين صندوق اللجنة، وبعض رجال المال والأعمال المعروفين مثل نوري فتاح، وعبد الهادي الجلبي. وفي ذلك الوقت كان أحمد بودة هو ممثل الجزائر في العراق والذي شارك في هذه الحملة بفعالية. وقد رعى الملك الشهيد فيصل الثاني أول اجتماع عام لإطلاق الحملة في بغداد بحضور رئيس الجزائر لاحقا أحمد بن بلة وجرى فيها تسليم الدفعة الأولى البالغة خمسين ألف دينار له. وفي نهاية ذلك العام تم جمع مئتي ألف دينارمن التبرعات الشعبية من جميع مدن العراق أرسلت إلى جبهة التحرير الجزائرية.

واستمرت جهود الجمالي في العام التالي، إذ ذهب مع الشيخ أمجد الزهاوي لمقابلة رئيس الوزراء آنذاك علي جودت الأيوبي للتأكيد على الحاجة لتخصيص ما لا يقل عن مليوني دينار للجزائر. وبالتوازي قام الجمالي بجولة في المدن العراقية لجمع التبرعات؛ إذ توجه في الرابع والعشرين من أيار 1957 جوّا إلى البصرة، وفي اليوم التالي عقد مؤتمرا صحافيا، إذ جمع أربعة عشر ألف دينار في أقل من نصف ساعة دعماً من سكان البصرة وحدها لإخوانهم الجزائريين. كما ساهمت مدن عراقية أخرى توجَّه إليها الجمالي بشكل دؤوب في التبرعات العينية والنقدية السخية للجزائر ومنها الموصل والحلة والعمارة وكربلاء والنجف… وقد رافقه في عدد من هذه الجولات السادة عبد الهادي الجلبي وهاشم الحلي وممثلون عن جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وكان للمرأة العراقية دور كبير في التبرع بالمال والمجوهرات إما فرديا او من خلال تنظيمات المرأة والهلال الأحمر العراقي، وفي الأول من حزيران 1957 قدم الجمالي للوطنيين الجزائريين عبد الحميد مهري والشيخ عباس ولد الشيخ الحسين، صكاً بالتبرعات في حفل أقيم في قاعة الأمير عبد الإله بمدينة الكاظمية، واستغل المناسبة ليلقي كلمة حماسية مقتضبة قال فيها “لقد أصبحنا والجزائر جسماً واحداً”.

وقد قدّم العراق عام 1957 من خلال الجامعة العربية مساعدة مالية بلغت 319600  باون إسترليني أي ما يعادل 15.98  بالمائة من مساهمات الدول الأخرى، ويسجَّل ان حكومة العراق -وبدور الجمالي الكبير- هي الحكومة الوحيدة عربيا التي جعلت من مساندتها للثورة الجزائرية بتخصيص جزء من ميزانية الدولة.

وتجدر الإشارة إلى الموقف المشرف للمرجعية الدينية في دعم الثورة وحث العراقيين على التبرع، ونذكر هنا الزيارة التاريخية للشيخ البشير الإبراهيمي إلى مدينة النجف الأشرف عام 1954، ولقائه مع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الذي عُرف بمواقفه الوطنية والإسلامية لدعم الاستقلال. كما زار لاحقا النجف وفدٌ جزائري برئاسة العقيد هواري بومدين، بعد انتصار ثورة نوفمبر عام 1962 عرفانا منه للموقف الداعم للثورة الجزائرية، وقد التقى الوفد المرجع الديني السيد محسن الحكيم.

لا دبلوماسية بلا قوة

من أبرز إنجازات الجمالي الشجاعة هو سعيه المستمر لإقناع الحكومة العراقية بإرسال السلاح إلى جيش التحرير الجزائري. وكان العراق قد وصلته من حركة رشيد عالي الكيلاني السورية عام 1941 شحنة من الأسلحة الفرنسية من بنادق ورشاشات وذخيرة، ولم تكن تلك الأسلحة مستعمَلة من الجيش العراقي وظلت في المخازن، ورأى الجمالي بأنها ستكون مفيدة جداً للجزائريين الذين اعتادوا على استخدام الأسلحة الفرنسية. وقد بارك نوري السعيد الفكرة، وبذلك أرسلت بعض الأسلحة في البداية عن طريق البر الى سوريا عن طريق ممثل الجزائر في دمشق عبد الحميد مهري، ثم أخذت الحكومة العراقية ترسل الأسلحة جوا الى مقر الجزائريين في ليبيا. وقد قام الطيار العراقي يوسف عزيز، وهو من طلاب الجمالي، بنقل السلاح إلى هناك برحلات جوية متعاقبة، وتشير المصادر الى ارسال اكثر من الفي بندقية فرنسية من نوع (اوتشكيس) الى جانب 50 الف رصاصة، أقدمت الحكومة على شراء 200 رشاشة إيطالية من نوع ( بيرثا) مع كل رشاشة 300 رصاصة بمبلغ سبعة الاف دينار، وهكذا نقل العراق السلاح الفرنسي للثوار في خطوة تستحق الإشادة وبعبقرية فذة تميز بها عميد الدبلوماسيين العراقيين. وقد كان لدعم العراق الأثر الطيب في نفوس الجزائريين ومحل تقدير لجنة تحرير المغرب العربي في القاهرة التي وصفته بأنه “حامل مشعل القومية”.

الجمالي وسيطا دبلوماسيا

بعد أن اختطفت السلطات الفرنسية خمسة من زعماء جبهة التحرير الجزائرية، وفي مقدمتهم أحمد بن بلة في الثاني والعشرين من تشرين الأول 1956، وهم في طريقهم إلى تونس بالطائرة، أختار ملك المغرب محمد الخامس، الجمالي ليمثله شخصياً في التحكيم الذي تقرر أن يجري بين بلاده وفرنسا بصدد مصير القادة الجزائريين الخمسة، وفي الرابع والعشرين من أيار 1957 أبلغ وزير الخارجية المغربي السفارة العراقية في الرباط رسميا برغبة المغرب بتكليف الجمالي، لكن الدعوة لم تصل في موعدها، وقد أعلن المسؤولون الفرنسيون أنهم لن يحضروا لجنة يكون الجمالي طرفاً فيها؛ إذ باتوا يعتبرونه خصما شخصيا لفرنسا، فتوجه الجمالي بطلب إلى محمد الخامس يلتمس فيه أن يعفيه من المهمة تفادياً لالتفاف الفرنسيين على جوهر المسألة وضمانا لمحاسبة فرنسا والافراج عن قادة الثورة المختطَفين.

النبل الجمالي وانتقال الإرث للجيل الجديد

إن نضال الدكتور الجمالي في سبيل القضية الجزائرية في داخل العراق وخارجه قد استمرت بنشاط واخلاص الى آخر يوم له من العمل السياسي العامّ حتى ليلة الثالث عشر من تموز 1958، وهو اليوم الذي سبق الانقلاب على الحكم الملكي، إذ كان منزله في بغداد مشغولا بوفد الجزائر إلى بغداد وذلك لتوديعه، وكان من المفترض أن يغادر الجمالي بغداد صباح اليوم التالي إلى ترکیا ومنها الى لندن برفقة الملك. ورغم ما حدث له شخصيًّا من قبل قادة أحداث1958 يقول بإنصاف في مذكِّراته: “كنتُ في السجن محكوماً عليّ بالإعدام وسُررت كثيرا حين علمت أن عبد الكريم قاسم قد قدَّم للجزائريين مبلغ مليوني دينار”. وهذا مما يظهر سموَّ النفس وعلوَّ الأهداف عند الجمالي، فهو يتجاوز عما حصل له من اجل قضية آمن بالدفاع عنها.

قام الطيار العراقي يوسف عزيز، وهو من طلاب الجمالي، بنقل السلاح إلى هناك برحلات جوية متعاقبة، وتشير المصادر الى ارسال اكثر من الفي بندقية فرنسية من نوع (اوتشكيس) الى جانب 50 الف رصاصة، أقدمت الحكومة على شراء 200 رشاشة إيطالية من نوع ( بيرثا) مع كل رشاشة 300 رصاصة بمبلغ سبعة الاف دينار، وهكذا نقل العراق السلاح الفرنسي للثوار في خطوة تستحق الإشادة وبعبقرية فذة تميز بها عميد الدبلوماسيين العراقيين.

استمرت العلاقة المميزة بين العراق والجزائر من جيل إلى آخر في عائلة الدكتور فاضل الجمالي، إذ انتقل الدكتور عباس النجل الأصغر للعيش في الجزائر بعد الاستقلال، وكان قد دفعه حبُّه وما شهده في البيت أثناء نشأته من نشاط مستمر لخدمة قضية التحرر إلى الرغبة في المساهمة الفعالة في تعريب الجامعات الجزائرية. خلال ذلك تقدَّم للزواج من الطبيبة الجزائرية الدكتورة ليلى هدام بوجاهةِ ممثل الجزائر في العراق أحمد بودة والشيخ عباس ولد الشيخ الحسين. وبذلك توِّج التفاني في خدمة قضية تحرير الجزائر باجتماع نسل ابن العراق الدكتور فاضل الجمالي بنسل ابن الجزائر التربوي القدير الأستاذ مختار هدام ورُزقا بأول حفيدة لهما فاطمة وبعدها أسماء وسعاد ومحمد فاضل.

وهكذا يتبين أن عقيدة الجمالي جعلته مدافعا قويا عن حق الجزائر في الاستقلال، إذ آمن بصدق وعمل بكل جهده من أجل حرية الشعب الجزائري التي كان يراها خطوة مهمة لتحرير الشعب الفلسطيني وتعويضا لما تعرَّض له هو شخصيا وجميع العرب من احباط في القضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة