القضاء الفرنسي يسمح بـ”البوركيني” ويُنهي “فضيحة الدولة”
بعدما تحوّلت قضيته إلى “فضيحة” للدولة الفرنسية أمام العالم، قرر مجلس الدولة في فرنسا، البتّ نهائيا في لباس البحر “البوركيني”، وأمر، الجمعة، بتعليق قرار منع ارتدائه في 30 بلدية، وبالتالي بات مسموحا به في كل شواطئ الدولة.
وجاء في قرار مجلس الدولة الفرنسي ما يلي “القرار البلدي (يقصد منع ارتداء البوركيني) مساس خطير بالحريات الأساسية، وهي حرية التنقل وحرية المعتقد والحرية الشخصية”.
وستضطرّ البلديات الثلاثون إلى إلغاء قراراتها السابقة والسماح بهذا اللباس في شواطئها، الأمر الذي سيريح الجالية المسلمة، بعدما تعرّضت له من معاملة “عنصرية” بسبب لباس طبيعي صممته سيدة أسترالية، لم تقل أبدا إنه إسلامي أو غير إسلامي.
“العدوى” بدأت من “كان”
وكانت “كان” أول بلدية فرنسية تمنع كل أزياء السباحة والاصطياف التي ترمز لأديان معينة على شواطئها، بما في ذلك “البوركيني”، وبرّرت البلدية قرارها بـ”دواعِ أمنية لمحاربة الإرهاب”، وشدّدت على أن يسري هذا المنع طوال شهر أوت.
وحدّدت “كان” مبلغ 42 دولار غرامة لكل من تخرق هذا القانون وتصرّ على ارتداء ما يشير إلى ديانتها على الشواطئ، على حد وصفها.
وخلّف القرار سخطا كبيرا من الجالية المسلمة كما لم يرق فرنسيين أيضا، لكن السلطات الفرنسية لم تبال بالأمر.. ومِن “كان” انطلقت “العدوى” إلى بلديات أخرى منها “نيس” و”كورسيكا” وطال بعدها عديد البلديات ليصل إلى ثلاثين، واختلفت قيمة الغرامات من بلدية إلى أخرى ما جعل الأمر يبدو وكنه “سرقة” بالقانون أو “ابتزاز” ليس أكثر، ولا علاقة له البتّة بما تقول فرنسا إنه مساس بـ”مبادئ الجمهورية”.
سخط متصاعد
تصاعدت الانتقادات من جمعيات حقوقية للقرار “الغريب”، فقد رفض مجلس الديانة الإسلامية في فرنسا القرار، واعتبره مساسا بالجالية وبالحريات الضخصية في بلد المساواة والحرية.
وقال هيرفي لافيس، رئيس جمعية كان-غراس إن هذا القرار قد يأتي بمفعول عكسي، بما أنه سيزيد في التوتر الحاصل حاليًا، مشيرًا إلى أن هذا القرار قد تبطله المحكمة الإدارية في نيس، خاصة وأنه قرار مؤقت تم تقديمه كعملية إشهارية.
وقالت فايزة بن محمد، المتحدثة باسم الفيدرالية الفرنسية لمسلمي الجنوب، إن عددًا من النساء لا زلن يرتدين البوركيني في شواطئ المدينة (كان) ولم يتم تغريمهن أو توقيفهن من طرف الشرطة، لافتة إلى أن هذا الحظر يمس كذلك الحجاب الإسلامي والكبة اليهودية ولباس الراهبات المسيحيات.
“فالس”: البوركيني “استعباد للمرأة”!
وفي أول ردّ فعل سياسي عالي المستوى، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، المعروف بعدائه للمسلمين ، تأييده للقرارات التي اتخذها رؤساء بلديات فرنسية بشأن حظر “البوركيني”.
وقال فالس “أنا أتفهم رؤساء البلديات الذين يبحثون، في هذه المرحلة المتوترة، عن حلول لتجنب اضطرابات في النظام العام”.
وأكد أنه يؤيد قرارات رؤساء البلديات إذا كانت مدفوعة برغبة في تشجيع العيش المشترك، الذي لا مكان فيه “لدوافع سياسية خفية”.
ورأى فالس ضرورة أن تكون الشواطئ خالية من المظاهر الدينية، معتبرا “البوركيني” ترجمة لمشروع سياسي ضد المجتمع مبني على “استعباد” المرأة، وشدد على ضرورة “أن تدافع الجمهورية عن نفسها في مواجهة الاستفزازات”.
حادثة “نيس”: “تعرية” امرأة و”تعرية” دولة!
لعلّ الحادثة الشهيرة التي هزّت بلدية “نيس”، المتعلّقة بـ”تعرية” الشرطة امرأة مسلمة كانت في أحد الشواطئ، كانت وراء “تعرية” فرنسا أمام العالم، وجعلتها محلّ سخرية في الصحافة، ولعلّها كانت، أيضا، وراء قرار مجلس الدولة السماح بارتداء البوركيني، وعلى هذا الأساس يكون مجلس الدولة قد “أنقذ” الدولة الفرنسية من “الفضيحة”.
وتداولت الصحف، عبر العالم، صورة المرأة وهي بين رجال الشرطة في شاطئ، تنصاع لأوامرهم وتخلع حجابها على مرأى المصطافين، ووصفت صحف بريطانية ما قامت به الشرطة الفرنسية بـ”الإجبار” ووصفتها عناوين أخرى بـ”شرطة البوركيني”.
مجلس الدولة “ينقذ” فرنسا
تواصلت ردود الأفعال الغاضبة من قرار منع “البوركيني”، محليا وحتى دوليا، باعتباره “حرية شخصية”، ورفع كلّ من؛ التجمّع لمكافحة كراهية الإسلام ورابطة حقوق الانسان الفرنسية دعوى لإبطال القرار أمام مجلس الدولة، قبل أسبوع، وارتقب الجميع القرار النهائي من هذا المجلس السامي، وجاء القرار في صالح “دُعاة البوركيني”.
ويعد القرار ضربة موجعة للوزير الأول، مانويل فالس، الذي أيد قرار عدد من البلديات التي أصدرت قرارات بمنعه، وهي التدابير التي تمخض عنها توجيه سهام الحقد أكثر ضد المسلمين وحتى تفسير مبالغ فيه للقرارات البلدية، كما أنه ضربة استباقية للرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي يستعد للعودة إلى الرئاسة، حيث عبّر عن “عدائه” للبوركيني.