الرأي

القمة العربية 27.. لا مكان لنا فيها؟

محمد سليم قلالة
  • 6824
  • 20
ح. م

كانت القِمم العربية مَحط اهتمامي منذ أكثر من 30 سنة*، كان لدَيَّ بعض الأمل في أن يتَّحد العرب ذات يوم ولو لأجل ما كان يُعتَقد أنها قضيتهم المركزية فلسطين، لم أكن أُصدق أنْ تُجسَّد السوق العربية المشتركة أو يَحدُث تعاون أو عمل عربي مشترك، ناهيك عن وهم تطبيق اتفاقية الدفاع العربي المشترك.. إلا أن بعض الحلم كان يراودني في أن يبرز قادة يملكون رؤية أو مشروع رؤية على غرار “بومدين” أو “فيصل” أو “عبد الناصر” بإمكانهم تحقيق بعض ما حلمت به شعوب المنطقة بأن يصبحوا قوة جديدة تستعيد دورها في إعادة إحياء حضارة كانت مصدر عِزهم ذات يوم… ما الذي حدث بعد طول هذه المدة؟: لا شيء سوى مزيد من الانكسار والوصول إلى آخر مرحلة هي مرحلة يبدو أنه لم يَعُد لنا مكان فيها…

لو عدنا بالزمن إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، وتذكَّرنا كيف كان الحلم يراود الكثير من القادة العرب في تأسيس اتحاد يشكل نواة جديدة لحضارة تريد الانفلات من عصر الانحطاط الذي كبلها لأكثر من 5 قرون، لتصورنا بأن هؤلاء القادة الذين أسسوا ما أصبح يُسمَّى بالجامعة العربية (بدل اتحاد) سيتمكنون بعد بضعة عقود من تجسيد ما كان يُعتَبر في تلك الحقبة قابلا للتحقيق…

كانت الشعوب حينها تعرف زخما ثوريا لا شك فيه، غير مُحْبَطة ولا مُثقَلة بآثار الهزائم، على استعداد للتضحية من أجل استعادة حقوقها وكرامتها، ولِمَ لا دورها التاريخي ورسالتها الحضارية، ما الذي حدث؟  أي نوع من القادة حَكَمها وأية مخططات تاريخية تعرضت لها لكي تُصبح على ما هي عليه اليوم من ذل وهوان،  مشتتة الأوصال تتقاذفها الأمم في كل جانب، وتسعى لاسترضاء أسيادها فلا يقبلوا منها سوى مزيد من الخضوع؟ ما الذي حدَث منذ أن تأسست الجامعة العربية سنة 1945، بمباركة بريطانية، حتى تُصبح اليوم لا هي جامعة ولا هي عربية على حد تعبير أول أمين عام لها في كتابه “الجامعة العربية.. كيف تكون جامعة..وكيف تُصبح عربية”؟ ما الذي جعلها بعد أكثر من 70 سنة تعقد قمتها الـ 27بالأمس بنواقشوط، فقط بالملوك والأمراء أو من والاهم وبارك مسعاهم؟

لقد وصلت الدول الأعضاء في الجامعة العربية بحق إلى حالة من الإحباط واليأس لم تعرفها منذ بداية عصر النهضة (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، كانت في غالبيتها الساحقة إما مستعمَرة أو تخضع للحماية أو الانتداب، إلا أنها لم تكن بهذا اليأس والهوان التي هي عليه اليوم بقيادة الملوك والأمراء، عكس ذلك كان أمل شعوبها في الانتصار كبير، وقد حققته في أكثر من موقع في الجزائر ومصر والعراق وسورية واليمن… أما اليوم فهي “مستقلة”، ولكنها تفعل بنفسها ما لم يكن الاستعمار أو الانتداب يفعل بها.

منذ بداية الموجة الاستعمارية في القرن التاسع عشر، وشعوب المنطقة تقاوم في كل مكان، وهي تحت الاحتلال كانت تُدرك مَن عدوها الأساسي وتصوغ أفُقا واضحا لنفسها إن في مجال استعادة ذاتها أو في مجال بناء قدراتها للانتصار من جديد… أما اليوم فهي تتقاتل فيما بينها بلا إرادة ولا أفق، القاتل والمقتول واحد، السجين والسجَّان واحد، والكل يدّعي الشهادة والإسلام والعروبة، إن في العراق أو سوريا أو اليمن أو مصر وليبيا… ليس هناك عدو محدد وواضح كما كان بالأمس، العدو تتم صناعته بالداخل ويُحرَّك من قبل صانعي السياسات في الخارج، فيتحول أبناء البلد الواحد إما إلى قاتل أو مقتول، إرهابي وصاحب حق، داعشي يقتل بلا رحمة، وموالٍ لسلطة قائمة بلا قناعة أو حماس..

هذه حال دول “الجامعة العربية”، فكيف لها أن تعقد قمة الأمل، وماذا تفعل الجزائر هناك؟ وما عليها أن تفعل في المستقبل؟

..أما اليوم فهي تتقاتل فيما بينها بلا إرادة ولا أفق. القاتل والمقتول واحد، السجين والسجَّان واحد، والكل يدّعي الشهادة والإسلام والعروبة، إن في العراق أو سوريا أو اليمن أو مصر وليبيا… ليس هناك عدوّ محدد وواضح كما كان بالأمس.

يبدو أننا نكاد نكون غرباء في هذه القمة بل في هذه الجامعة، التي سيطر عليها الملوك والأمراء، بعد أن أصبحت الجمهوريات في خبر كان، من العراق إلى سوريا إلى اليمن والسودان، ناهيك عن الجماهيرية التي تم تحطيمها واستبدال الشعار الذي رفعه ملك ملوكها ذات يوم للتعبير عن سلطة لجماهير “اللجان في كل مكان” بشعار جديد “الإرهاب في كل مكان”….

هكذا أراد الملوك والأمراء إنهاء مرحلة، وهكذا وجدوا أنفسهم اليوم بمفردهم، بلا جمهوريات ولا جمهور ولا جماهيرية عظمى على رأسها مَلِكَ مُلوكٍ، في مرحلة هي بلا شك نهاية حقبة وبداية أخرى:

 نهاية حقبة من خلال سعي الملكيات إلى تحويل ما بقي من الدول  التي كانت تُعرَف بالجمهورية إما إلى تقديم فروض الطاعة بمقابل معلوم، مثل مصر واليمن والسودان، أو الدخول في حروب أهلية طاحنة مثل سورية واليمن وليبيا والعراق، أو التحول كحد أدنى إلى جملوكيات (جمهوريات ملكية)، مثل الجزائر وتونس والعراق ولبنان وفلسطين.

وبداية حقبة من خلال مابدأ يبرز من حراك شعبي داخلي في هذه الدول بما فيها الملكيات للانتقال إلى أشكال جديدة من الحكم وللعمل السياسي يضع حدا لنحو قرن من الزمن كانت فيه  القرارات الخاطئة أكثر من الصحيحة، وكان فيه جيل يؤمن بدور الزعيم المنقِذ الذي طال انتظاره دون جدوى.

هذه الحقبة التي بدأت مؤشراتها تلوح في الأفق اليوم هي التي ستَطبع العقود القادمة بطابعها الجديد، عندما نتعافى من حكم القادة المُلَهَمِين، أو حكم  الأمراء المؤمنين  أو ذلك الحكم الذي لا يقبل بأقل من ألقاب السمو والجلالة والفخامة وما شابه، أوكل تلك الصفات التي ما أنزل الله بها من سلطان… والتاريخ بلا شك لن  يعود للوراء، رغم ما يبدو من مظاهر الخيبة اليوم، وما تتعرض له الشعوب من ضغوط ومنع من التعبير… ذلك أن المستقبل أقوى بما يحمل من أشكال وتكنولوجيات جديدة للاتصال، وبدائل للتنظيم، ووسائل للتعبير تبدو قمة نواقشوط غير قادرة على استيعابها…

لقد تابعت أكثر من قمة منذ عقود، وكنت في كل مرة أُمنِّي نفسي بأننا نسير باتجاه إصلاح القديم… أما اليوم فلم أعد أفكر إلا في أننا بحاجة إلى التفكير، فيما يمكن أن نعوض به هذا القديم.. لقد أصبح عديم الصلاحية.. ولا مكان لنا فيه….

ـــــــــــــــــــــ

(*) على إثر مناقشتي لرسالة ماجستير بعنوان “القمم العربية والقضية الفلسطينية” سنة 1986

مقالات ذات صلة