-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

القوة الناعمة لدبلوماسية هادئة

حبيب راشدين
  • 4625
  • 8
القوة الناعمة لدبلوماسية هادئة

الخطوة الكبيرة التي قطعتها الوساطة الجزائرية في الأزمة المالية قد تبشر بقرب تطويق النزاع، وإنتاج حل سياسي مبتكر، يفتح المجال أمام الأشقاء في مالي لبناء مصالحة وطنية مستدامة، تجنبهم ويلات الحرب الأهلية، وعار التدخل الأجنبي. وحتى مع توقع تحرك فرنسي مغربي محتمل لنسف الوساطة، فإن الدبلوماسية الجزائرية تكون قد استبقت الموقف بتوسيع دائرة الشراكة في الحل أمام دول الجوار، كما أفردت بذكاء هامشا للمنظمات الجهوية، الإقليمية، والأمم المتحدة، لتضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

فقد كبلت أيدي الإيليزي، الذي لن يتحرك جهارا لتعويق مسار تفاوضي، حظي بإشادة إفريقية وأممية، كما أغلقت النافذة التي اعتقد المغرب أنها قد فتحت أمامه، للمشاركة في اللعبة الكبيرة الدائرة بمنطقة الصحراء الكبرى والساحل، وفوق هذا وذاك، قدمت البرهان للدول الإفريقية، ومعها الدول العربية، على أنه بوسع الأفارقة، كما بوسع العرب، أن يعالجوا مشاكلهم بأنفسهم.

عوامل ظرفية مستجدة كثيرة تكون قد ساعدت الجزائر في تعطيل مفعول الحلقة المفرغة التي أنتجها التدخل العسكري الفرنسي في مالي. فعلى المستوى الداخلي تكون الدولة قد استوعبت بسهولة ما كان يتوقع لها من اضطرابات ما بعد تمرير العهدة الرابعة، واستدركت مخلفات حادثة تڤنتورين، كما نجحت في إعادة نشر قواتها العسكرية بكثافة على  طول حدودها المهددة دون إزعاج جيرانها، وبكل تأكيد تكون قد أعادت انتشارها الاستخباراتي في المنطقة، كان أحد ثماره المباشرة: التوصل إلى الإفراج عن الدبلوماسيين الجزائريين المختطفين.

إقليميا ودوليا، فتحت نافذة أمام الجزائر لتحريك المسار التفاوضي مع بداية اقتناع الفرنسيين أنفسهم بفشل عملية “سيرفال” عسكريا وسياسيا، وانكشاف وجهها الكولونيالي للأطراف المتنازعة، ونشوء قلقل متزايد عند الدول الإفريقية المجاورة من احتمال انتقال الحالة الليبية إلى مالي، لتتواصل حلقاتها مع الوضع المتفاقم في شمال نيجيريا مع جماعة “بوكو حرام” وربما تكون فرنسا نفسها قد بدأت تستشعر الخطر الذي بات يهدد مصالحها في النيجر: المصدر الأول لتمويل منظومتها النووية العسكرية والمدنية.

الولايات المتحدة بدورها، وهي تعيد تكييف سياساتها بسرعة جنونية وبكثير من الارتجال في المنطقة، تكون قد آثرت “التبريد” المؤقت للبؤر التي شاركت في إشعالها في ليبيا ومنطقة الصحراء والساحل، لتتفرغ لإدارة ملف “داعش” الذي أعادها من حيث لا تحتسب إلى الساحة السورية، ومحاولة توظيف ما فيها من أوراق ضغط في خصومتها المفتوحة المعلنة مع الدب الروسي، كما في حوارها الإستراتيجي مع إيران.

مثل هذه القراءة للمشهد المالي، كحالة متصلة جيوسياسيا ببؤر نار كثيرة مصطنعة، تمتد من النهر إلى البحر، هي التي تكون قد ساعدت الدبلومالسية على فك شفرة الأزمة المالية، واستغلال النافذة التي فتحت أمامها بكثير الحرفية، نأمل أن توظف في أقرب وقت لتطويق الأزمة الليبية، التي تتوعد المنطقة بتهديدات أخطر من تهديدات النزاع في مالي، وأن يستغل هذا النجاح الدبلوماسي لإقناع أشقائنا الليبيين، وجيرانهم العرب والأفارقة، بوجود فرص حقيقية للتسوية السياسية، تجنب ليبيا واحدا من المآلات الكارثية الثلاثة: الصوملة، العرقنة، أو الأفغنة، وكلها شر، الجميع فيها خاسر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • شكرا شكرا لدبلوماسية ولك ولشروق

    شكرا لك استاد وشكرا لديبلوماسية الجزائرية وشكرا للمخلصين كلهم دون استثناء سلام................

  • عازم الجزائري

    الإسلام السياسي قادم ولن ينتظر الدعم من أحد فمهما أردتم تزييف الحقائق وتشويهها فلن تتمكنوا من إيقافه فقد تعهد الله بالتمكين له ونصرته وإظهاره.
    {ولقد{ كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}
    وقال أيضا { الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}
    {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}
    لا فيس لا إخوان لا سلفية لا جهادية لا اسلام لا

  • عصام

    لماذا لا نجد هذه الحنكة و هذا الذكاء في حلحلة مشاكلنا و الوقوف على كلمة سواء سلطة و معارضة ؟اخشى ما أخشاه أن تكون الحنكة التي تحدثت عنها ما هي سوى شراء للسلم او بالأحرى بوليتيك البترودولار !!

  • صالح

    5) إلى مجرد ولاية ( تاريخية ) سابعة إلى جنب " الولايات التاريخية " الستة الأخرى .
    الجزائريون ، الأشداء على بعضهم والرحماء على الأعداء ، أصبحوا يرهبون أميرا مغرورا لا يتحكم ، من هذه الدنيا ، إلا في خزائن البترودولار ، ويستجدون أميرا مغرورا آخر أن يكف عن إغراق الجزائر بسمومه .
    شتان بين " الجزائريين " السابقين واللاحقين .

  • صالح

    4 ) لا تصنع غابة.
    إلى متى تبقى الجزائر تتوسط بين الشمال والجنوب ، ثم الشمال والشمال بعد دخول ال ميجاؤ ( MUJAO LE ) القطرية ( حسب الكتاب : LE VILAIN PETIT QATAR ) على الخط .
    ثم إن نهج سياسة اتقاء ضربات الأعداء ، بدل سياسة حرابهم في عقر ديارهم ، مكلفة وليست دائما مجدية.
    يبدو أن مصر ، بقيادة الرئيس الحالي ، استفاقت لهذا النهج وبدأت تطبقه مع من ينفخ في نار " الفوضى الخلاقة " المسماة ب" الربيع العربي " .
    الجزائريون ، الأشداء على الأعداء والرحماء بينهم ، كانوا حولوا ، في وقت سابق ، " الميتروبول

  • صالح

    3) الأموال ، والاستثمار في التوازن الجهوي ، لضمان الأمن والاستقرار والوحدة الترابية لجمهورية مالي .
    بل إنهم بتهميشهم للشمال ( الأزواد ) ، فإنهم تركوه عرضة لتلاعب المتلاعبين ، بمصائر الشعوب والبلدان ، من فراعنة البترودولار من أمثال " ملك ملوك إفريقيا " ، " آل الثاني " ومن المستجدين للبترودولار من أمثال " أمير المؤمنين " ، ومن آل فرنسا ومن غيرهم .
    الجزائر قاومت ومازالت تقاوم ، بكل إمكانياتها المادية والمعنوية ، التلاعب بمصير شمال مالي ومالي ، بمصير جنوبها وبمصيرها هي نفسها ، إلا أن الشجرة الواحدة

  • صالح

    2 ) في الأساس .
    سكان شمال مالي ، الأزواديون المنحدرون من العرب ومن الأمازيغ ، ضاقوا ذرعا ، منذ عقود ومنذ استقلال مالي على الخصوص ، من الأمراض المرتبطة بالاحتلال وبالاستعمار ( الجوع ، المرض والجهل ) المترتبة عن التهميش ، عن الاحتقار وعن العنصرية التي تسبب ويتسبب فيها الحكام من سكان الجنوب من الماليين غير الأزواديين .
    يبدو أن الحكام في الجنوب يريدون الزبدة ونقود الزبدة ، كما يقول المثل الفرنسي .
    يريدون أن يستتب الأمن والاستقرار ، والاحتفاظ بالشمال في حضن دولة واحدة هي مالي ، ولكنهم لا يريدون صر

  • صالح

    ليست الحكمة في إحراز النصر وإنما في المحافظة عليه .
    مشكل شمال مالي مع جنوبه لا يمت بصلة بما وقع ويقع في العراق ، في ليبيا ، في سوريا وفي غيرها من الدول العربية التي يسعى الإسلام السياسي إلى السيطرة عليها ، بدعم من البترودولار الوهابي القطري ، من الإخوان المسلمين الأتراك ومن حماتهما في الحلف الأطلسي والمخابر الغربية الصهيونية .
    مشكل شمال مالي ، مع جنوبه ، ليس وليد ما سمي ب" الربيع العربي " الفرنسي القطري الغربي ، أو عملية " سرفال " الفرنسية .
    المشكل له جذور تاريخية عميقة .المشكل عرقي وعنصري في