الكرامة الإنسانية المغيّبة في الحضارة المعاصرة
إن علماء التاريخ والحضارة يتفقون على أن العالم المعاصر تتوزعه ست حضارات هي الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية والحضارة الهندية والحضارة الصينية والحضارة اليابانية وحضارة أمريكا اللاتينية، وبالرغم من الخصائص المميزة لهذه الحضارات في بعض أبعادها العقيدية والتراثية والتاريخية إلا أن الحضارة التي تهيمن اليوم على هذا العصر بفلسفتها ونظمها ومناهجها هي الحضارة الغربية كما نعلم جميعا، نظرا لنفوذها وتفوقها العلمي التكنولوجي والاقتصادي والصناعي، ونزعتها الاحتوائية والتوسعية.
هذه الحضارة تعاني اليوم أزمة قيم حادة أفرزت فلسفة تتسم باليأس والإحساس بالضياع وعبثية الحياة نتيجة الخيبة التي مُني بها إنسان هذه الحضارة!
والواقع أن صلة هذا الإنسان بالله سبحانه ظلت كما ورثها عن اليونان والرومان، مهزوزة غائمة ومضطربة؛ فكان محتوما أن تتسم علاقته “بالآخر” وبالكون والطبيعة بذلك الاهتزاز وذلك الاضطراب، مما ولّد عنده الإيمان بحتمية الصراع وبقاعدة “البقاء للأقوى” لا للأصلح وغرس فيه روح الاستعلاء والهيمنة؛ وجعلته يغفل عن حقيقة كبيرة هي افتقاره إلى قيمة الكرامة الإنسانية المغيبة في الفلسفة التي قامت عليها الحضارة الغربية أصلا.
إن الأضرار التي ألحقتها هذه الحضارة بنفسها والمآسي التي تسببت فيها بالنسبة لغيرها سببها الأول هو افتقارها إلى هذه القيمة التي لا يمكن أن تهتدي إليها وتجدها إلا في الإسلام، وهذا بنص القرآن الكريم الذي قال “ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر” فهو سبحانه لم يقل “ولقد كرمنا المسلمين” أو المسيحيين أو اليهود، بل قال: كرمنا بني آدم، أي أن هذا التكريم وقع منذ بدء الخليقة، من قبل أن تعرف اعتبارات الجنس والعقيدة واللغة “كلكم من آدم وآدم من تراب” والخالق سبحانه ينادي الناس جميعا اعتبارا لهذا المعنى لأنهم جميعا من آدم “يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم“؛ والإنسان لم يستحق سجود الملائكة له إلا بفضل هذا التكريم الذي خصه الله به؛ لأنه نفخة من روحه وخليفته في أرضه “إني جاعل في الأرض خليفة” وبهذا المعنى يكون التكريم الإلهي في مخاطبة الناس جميعا تكريما للإنسانية “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة” من أجل ذلك جعل الإسلام التعبير عن احترام هذا التكريم الإلهي هو الخلق الحسن أو المعاملة الحسنة “المقصودة لذاتها” من غير اعتبار لجنس أو دين أو لغة، قال تعالى “ادفع بالتي هي أحسن“.
وقد كان أول من جسد هذه القيمة الخلقية التكريمية للإنسان هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ إنه – وهو يخاطب كفارا مشركين – يقول في تواضع جمّ :”وإنا أوإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين” ويقول: “لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون” لقد نسب الضلال والإجرام لنفسه، وهو سيد الخلق المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، تساميا منه بهذا الخلق الإنساني العظيم، ألا وهو“تكريم الإنسان كإنسان“.
أي مصدر من مصادر الحضارة الغربية المعاصرة يمكن أن يفيدها بهذه المعاني والحقائق؟! وأنّى للفكر الغربي المعاصر أن يهتدي إلى المفهوم السليم للإنسانية وهو الذي حسم وحده معنى الإنسان في الإنسان، فتنكر بذلك لقدسيته ولرسالته على الأرض ولمعنى وجوده أصلا فأهدر كرامته “وشيّأه” وعلمه كيف يعيش ولكن لم يعلمه لماذا يعيش ولمن يعيش؟!.
إن مفهوم تكريم الإنسان في الإسلام لا يدرك إلا من خلال نسق عام موحد وشامل ومتميز، ومن خصائص هذا التميز أن الإنسان لا ينظر إليه على أنه “موضوع مادي” ومن تم إلى المجتمع على أنه كمّ بشري، بل ينظر إليه من خلال ذلك التكريم المرتبط ببعده الروحي العقيدي الإنساني ورسالته على الأرض…
لقد دلت تجارب المجتمعات والأمم في تطوّر حياتها مع التاريخ أن احترام الكرامة الإنسانية لا يكون بحق إلا إذا كان نابعا من عقيدة صحيحة مهتديا بهديها لضمان الترابط الروحي بين الناس باعتبارهم جميعا أعضاء أسرة واحدة هي الإنسانية، ولكي تكبح فيهم كل أنواع التوتر والخصام والصراع والعدوانية وتحررهم من كل النزاعات الاستعلائية والإقصائية التي تعتبر من الأسباب الرئيسية للهزات والاضطرابات والأزمات والحروب التي تعاني منها المجتمعات البشرية.
إن غياب هذه المرجعية العقيدية للحضارة المعاصرة هي التي تفسر التناقضات التي مافتئت تزداد بروزا في هذا المجال؛ ولعل أبسط مثال لهذه التناقضات أننا نجد في الغرب اليوم توجها واضحا وعزما طموحا إلى ترقية حقوق الإنسان في المستوى النظري المعلن عنه؛ لكن الذي يقابل هذا المسعى في الواقع هو غياب حرمة الإنسان وكرامته المنتهكة سواء في مستوى الفرد أو في مستوى المجتمع.
ولنأخذ لذلك مثلا يجلي هذه الحقيقة؛ إن حق التصرّف في الملكية الخاصة حق من حقوق الإنسان تكفله الحضارة المعاصرة تماما مثلما يكفله الإسلام، لكن ماذا نجد في الواقع؟! نجد إنسان الحضارة المعاصرة عندما يمارس حريته في التصرّف في ملكيته وماله قد يضيّق بالإنفاق على والديه مثلا فيضعهما في مأوى العجزة، كما أنه قد يحرم أقاربه من مساعدة تنقذهم من الفاقة والعوز، وهو في الوقت نفسه تجده عضوا نشيطا في جمعية للرفق بالحيوان، بل إنه قد يوصي بإنفاق ثروته كلها عند مماته في هذا المجال، وهو مطمئن إلى أن القانون سيتكفل فعلا بتنفيذ وصيته تلك، لأن حقوق الأفراد وحرياتهم مقدسة ومكفولة..
هذا السلوك لا يقبله الإسلام ولا يبيحه “فأنت ومالك لأبيك” كما قال عليه الصلاة والسلام؛ وقبل ذلك وبعد ذلك كله فإن الملكية نفسها ـ في المنظور الإسلامي ـ أمانة، والإنسان مستخلف فيها مسؤول عن التصرّف فيها وفق ما أمر به الشرع!