الكوكايين البصري والخلاعة الإلكترونية! (1)
“الكوكايين البصري” مصطلح جديد أطلقه بعض العلماء على ظاهرة إدمان الإباحية على الإنترنت، في إثر أبحاث غربية عدّة توصّلت إلى أنّ إدمان الإباحية، يشبه في أعراضه وآثاره إلى حدّ كبير إدمان الكوكايين، وأنّ أضرار العكوف على الصور والمقاطع السّاقطة لا تقلّ عن أضرار تعاطي الخمور والمخدّرات، وتتنوّع بين أضرار عضوية تتعلّق بالدّماغ والأعصاب والهرمونات، وأخرى نفسية مدمّرة يتحوّل معها المدمن إلى قشّة في مهبّ الرّيح!
الحديث في موضوع الإباحية البصرية حديث مهمّ، ويزداد أهمية مع تزايد أعداد الغارقين في مستنقع الخلاعة الإلكترونية من شبابنا.. البلاء يعظم والخطر يزداد، وغضّ الطّرف عن هذا الملفّ الخطير، بدعوى الحرج، لن يزيد الطّين إلا بلة.. إنّه بلاء قاتل ومدمّر يعيشه ويعانيه كثير من شبابنا في هذا الزّمان، سرق أعمارهم وحطّم حياتهم وقتل آمالاهم ووأد أحلامهم، وجعلهم أجسادا بلا أرواح وشهوات بلا عقول.. كوكايين حقيقيّ يخدّر العقول والأرواح ويفسد الدّين والدّنيا، في زمن ذُلّلت فيه كلّ الطّرق الموصلة إلى الإباحية ومهّدت، وأشرعت أبواب المواقع الساقطة وتركت في متناول الشّباب والأطفال يدخلون إليها في الوقت الذي يريدون، بضغطة زرّ توصلهم بعالم الإنترنت، خاصّة مع هذه الهواتف الذكية التي أضحى يمتلكها كلّ الشّباب بل حتى كثير من الأطفال.. أصبح الشابّ يشحن رصيده بألف دينار ليقضي شهرا كاملا لا همّ له إلا البحث عن الأوساخ في عالم الإنترنت..
ويزداد الأمر سوءًا والخرق اتّساعا والخطب شناعة حينما تجد بعض الشّباب وحتى بعض الأطفال يشاركون هذه القاذورات ويدعو بعضهم بعضا إليها.. قاذورات أدمن عليها بعض شبابنا وأصبحوا لا يتطهّرون منها بليل ولا نهار.. حتّى ما عاد لهم من همّ في هذه الحياة إلا الشّهوة المحرّمة.. ما عاد الواحد منهم يفكّر في صلاة أو مسجد ولا في عمل أو دراسة.. كم من شباب كانوا مجتهدين في دراستهم، تحوّلوا إلى كسالى لا رغبة لديهم في دراسة ولا مدرسة، والسبب هو الإباحية.. وكم من شباب كانوا يكدّون ويعملون ويكسبون الحلال، لكنّهم ارتضوا البطالة فجأة وما عادوا يبتعدون عن شاشات هواتفهم إلا قليلا.. وكم من فتيات فسدت حياتهنّ وأصبحن يعانين الشّرود والكآبة والوحشة مع الوالدين ومع النّاس، بسبب الإباحية.
أُوصدت في وجوه شبابنا أبواب الحلال، فرضوا بالحرام وغرقوا فيه إلى أنوفهم.. بعض الشّباب ما عادوا يفكّرون في الزّواج والحلال بعد أن أصبحوا يفرّغون شهواتهم في الحرام، وبعد أن استباح كثير منهم العادة السيّئة المحرّمة مع ما تحمله من مخاطر مدمّرة لأجسادهم مفسدة لدينهم.. والطّامّة الكبرى أنّ بعضهم تحوّلوا إلى كلاب مسعورة تهدّد أعراض المسلمين في كلّ مكان.. هذه المنكرات التي نسمع ونقرأ عنها، ووصلت إلى حدّ الاعتداء على الفتيات الصغيرات، بل وعلى الأطفال الصّغار؛ أهمّ سبب فيها هو إدمان المواقع والموادّ الإباحية ومتابعة قاذورات الإنترنت.
الإنترنت ليست -كما يظنّ بعض الآباء الذين يفخرون بتوفير أحدث أنواع الهواتف لأبنائهم في سنّ متقدّمة- ساحة للعلم والبحث والتواصل النّافع والتسلية، فقط.. الإنترنت بحر عميق، فيه الأصداف والدّرر والأحجار الكريمة لمن حزم أمره ونظّم وقته وكان له هدف في هذه الحياة واستشعر رقابة ربّه ومولاه.. لكنّه يحوي أيضا الأشواك والقاذورات، وبعض الإحصاءات تشير إلى أنّ ساحة الإنترنت تحتوي أكثر من 4 ملايين موقع إباحي، وما لا يقلّ عن 8 ملايير مقطع جنسيّ! والمفارقة أنّ أكثر المقاطع والأفلام والصّور الإباحية يتمّ إنتاجها في أمريكا وتقدّر مداخيل الشّركات المتخصّصة في إنتاجها بحوالي 57 مليار دولار سنويا.. والمعضلة ليست في الأموال الطائلة التي يجنيها مروّجو الإباحية من جيوب المغفّلين، إنّما في الدّمار الذي تسبّبه تلك الموادّ في عقول وأبدان متابعيها.. إنّنا نرى بأعيننا كيف يتّجه العالم بخطوات متسارعة إلى فرض التعايش مع الشّذوذ الجنسيّ، مع السدومية وعمل قوم لوط.. هذا الانحدار -وحسب بعض الباحثين- تمّ التمهيد له سنوات وعقودا من الزّمان عن طريق الصور والمقاطع الإباحية التي تجعل الشّذوذ مادّتها الأساسية!
إنّه لأمر مؤسف حقا أن يُجرّم تعاطي المخدّرات الحسية، ويُمنع ترويجها والمتاجرة بها، بينما مخدّرات المواقع والموادّ الإباحية لا تمنع ولا يجرّم ترويجها. مع أنّ مخدّرات الموادّ الإباحية من صور ساقطة وفيديوهات قذرة، أشدّ ضررا وخطرا من المخدّرات العادية.. يفترض أن تحجب المواقع الإباحية ويمنع الدخول إليها، وتسلّط أقسى العقوبات على كلّ من يروّج للقاذورات، إن لم يكن حفاظا على دين أبنائنا، فعلى الأقلّ حفاظا على أبدانهم وصحّتهم.
الدّراسات الطبيّة الحديثة كلّها تؤكّد أنّ تأثير مشاهدة الصور والمقاطع الإباحية على المخّ والأعصاب يعادل تماما تأثير الكوكايين والخمر.. وقد توصّل علماء وباحثون في جامعات عالمية عدّة إلى أنّ مشاهدة الموادّ الإباحية يسبّب إدمانا يشبه إدمان الكوكايين، وتوصلت عالمة مخ وأعصاب في بحث أجرته بجامعة كامبريدج البريطانية باستخدام أشعة الرنين الوظيفية أن “نشاط دائرة المكافأة في الدماغ عند مدمن الكوكائين أو الكحول، يظهر بشكل مماثل عند الذين يشاهدون المواد الإباحية بكثرة”.
ربّما يضحك الشابّ الذي وقع في حبائل الإباحية والعادة السيّئة التي تسمّى العادة السريّة ويتظاهر بالسّعادة، لكنّ ما يعانيه في داخله من دمار، يعلمه الله.. طريق الإباحية طريق مظلم موحش، يمنح من يسلكه متعة مؤقتة تدوم للحظات لكنّها تورث شقاءً دائما وضيقا خانقا.. إذا كان من ينظر إلى النّساء والفتيات المتبرّجات في الشّارع، يُحرم العلم والرّزق والبركة، ويوهَن بدنه ويُظلِم قلبه ويضيق صدره وتتسلّط عليه الهموم والغموم ويُحرم الخشوع في صلاته؛ كيف بمن ينظر إلى النجاسات في الإنترنت؟
إنّ الله -جلّ وعلا- لم ينهنا عن الزّنا فحسب، إنّما نهانا عن الاقتراب منه وسلوك كلّ طريق توصل إليه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32). لا تقربوا الزّنا أي لا تقتربوا من أيّ سبب يوصلكم إليه ويوقعكم فيه.. ولذلك أمرنا سبحانه بأن نغضّ من أبصارنا ونكبح جماحها عن النّظر إلى العورات.. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: 30-31).
الزّنا كبيرة وفاحشة، أوّل خطوة على طريقها النّظرة المحرّمة، وقديما قيل: “النّظر بريد الزّنا”، وقال حبيبنا المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-: “لكل بني آدم حظ من الزنا؛ فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان يزنيان وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القبل، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه” (رواه أحمد في مسنده).. ولأنّ النّظرة هي بداية البلاء، فقد أمر الهادي الشّفيع -عليه الصّلاة والسّلام- شباب الأمّة بأن يصرفوا أبصارهم كلّما عرضت لأحدهم نظرة محرّمة، حتّى لا يهوى القلب ويتعلّق، فعن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نظرة الفجأة فقال: “اصرف بصرك” (رواه أبو داود في سننه).
… يُتبع بإذن الله