اللحوم المسمومة؟
يُردّد المسلمون دائما حديثا للحافظ بن عساكر يُحذر فيه من تناول سيرة العلماء بسوء، ويُشبّه ذلك بتعاطي اللحوم المسمومة، ويُردّد الفقهاء دائما حديثا يصف العلماء بورثة الأنبياء على أمل أن لا تتكرر مشاهد الفتنة الكبرى التي حدثت في بداية العصر الأموي عندما صارت منابر المساجد منصات للعن كبار الصحابة أكثر من لعن الشيطان الرجيم.
- ومازال المسلمون يعانون لحد الآن وخاصة في أيام عاشوراء من لعنة الفتنة عندما “يحجّ” الملايين إلى كربلاء ليذرفوا الدموع على الحسين ويذرفوا الأحقاد على الكثير من الصحابة، وللأسف فإن التاريخ يأبى إلا أن يُعيد نفسه، حيث أصبح العلماء منذ بداية الثورات العربية يتعاطون اللحوم المسمومة، فاختلط على الناس دينهم ودنياهم إلى درجة أن ما حدث في صلاتي الجمعة الأخيرة بين دمشق والدوحة هو نفسه الذي حدث في السنة الستين للهجرة بين الشام والكوفة بين أنصار يزيد بن معاوية وشيعة الحسين بن علي، حيث لاك الإمام العالم سعيد رمضان البوطي البالغ من العمر 83 عاما سيرة الإمام العالم يوسف القرضاوي بسوء، وسمّاه عميل الأمريكان، ولاك الدكتور الأزهري القرضاوي البالغ من العمر 85 عاما سيرة الدكتور الأزهري البوطي بسوء وسمّاه عميل الشيطان، وكان الرجلان على مدار أكثر من نصف قرن يجاهدان بالكلمة معا، ودخلا السجن معا، وشاركا في مختلف المؤتمرات الدعوية والملتقيات العلمية ومنها ملتقى الفكر الإسلامي في الجزائر في زمن مالك بن نبي ونايت بلقاسم وأحمد حماني، وساهما معا بالكلمة الطيبة وبزيارة الجزائر من أجل بلوغ المصالحة الوطنية، قبل أن يصلا الآن إلى ما كان يُحذران منه أزيد عن مليار مسلم اجتمعوا على كلمة واحدة من لساني البوطي والقرضاوي، ويتيهون الآن بين كلمتين متناقضتين إحداهما تصف الرئيس السوري بالملاك، وأمير قطر بالشيطان، والأخرى تصف الرئيس السوري بالشيطان وأمير قطر بالملاك، وعندما يتنابز عالمان كبيران اشتهرا بالاعتدال، وبكظم الغيظ وأفنيا العمر كله في الدعوة لأجل أن تكون الأمة كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فإننا لن نحلم بأي وحدة ممكنة بعد أن شاركنا أعداءنا في تهديم البنيان المرصوص.
في العام الماضي في مثل هذا اليوم كانت مظاهر العويل والنحيب قد حمى وطيسها في كربلاء والنجف من الذين يدّعون أنهم شيعة أهل البيت، وكان البوطي من عاصمة الأمويين، والقرضاوي من الحجاز يطلبان من الشيعة نسيان الماضي وعدم التعرض لرجالات العلم من أهل السلف الصالح، والآن حمى وطيس العويل والنحيب في دمشق وصنعاء وطرابلس ولا أحد يفهم من الظالم والمظلوم مادام شيوخ العلم في كل واد يهيمون وتغرق معهم الأمة، في الوقت الذي يتفرج العالم ويسمع ويبني جبروته على أنقاض خلافاتنا.
نعود الآن إلى طبق الموسم الذي أدمنت الأمة على تعاطيه وهو اللحوم المسمومة التي “حذرنا الحافظ بن عساكر” من الانتحار بتعاطيها، لنقول أن انقسام العلماء حاليا هي مشاهد كربلائية تتكرر العام كله وليس في العاشر من محرم فقط، وفي بلاد العرب كلها وليس في كربلاء فقط؟
عندما سئل الإمام أحمد عن الفتنة الكبرى قال ”تلك فتنة طهّر الله منها أيدينا فلنطهّر منها ألسنتنا”.. فماذا نقول عن الفتنة الحالية الملتهبة بين معظم علماء الأمة؟