الله يبهدلكم!
راعني كثيرا المرسوم التنفيذي “الجديد المتجدّد” الذي يُلزم الأميار والمنتخبين المحليين بإبلاغ مواطني البلدية بالقرارات التي يتخذها منتخبوها خلال مداولات المجالس المنتخبة، وخاصة تلك المتعلقة بصفقات التراضي وتوزيع السكن والأراضي والتوظيف.
مثل هذا الإجراء – إذا تمّ تطبيقه – سيضع المنتخبين تحت المجهر، وتحت طائلة القانون، والمراقبة اللصيقة برقابة الناخبين، وحتى إن كان الإجراء قديما في شكله، على اعتبار أنه كان الحق للمواطن بحضور جلسة المداولات، فإن تحيين القانون وإعادة نشره في الجريدة الرسمية، بوسعه أن يعطي دفعا في عملية المراقبة والمحاسبة على المستوى المحلي!
الذي حدث مثلا في عهد المندوبيات التنفيذية، بداية التسعينيات، وخلال “المأساة الوطنية”، على مستوى البلديات، لا يُمكن أن يصدقه عاقل، لولا الشهادات واعترافات المتورطين من المنتخبين أنفسهم، وكذا المحاكمات التي كانت بالجملة والتجزئة، وانتهت بسجن البعض منهم ووضع البعض الآخر تحت الرقابة القضائية، و”بهدلة” جزء آخر في المحاكم والشارع!
نهب للعقار وتوزيع انتقائي لقطع الأراضي والسكن، وإبرام صفقات مشبوهة، وغش وتدليس وتزوير في الوثائق الرسمية، وتضخيم للفواتير.. هذا قليل من كثير حدث خلال تلك الفترة على مستوى أغلب البلديات، وللأسف استمرّ بعدها عبر الكثير من المجالس “المخلية” بما دفع المواطنون إلى ترديد “خليتوها.. الله يبهدلكم” !
تزاحم المترشحين في طابور عضوية المجالس المحلية، على مدار العهد السابقة، أعطى الانطباع أن البلدية أصبحت ملاذا آمنا للثراء والنهب “المقنـّن”، ولذلك الكثير من الحالات والنماذج تكشف كيف أن منتخبين وأميار دخلوا “مزلوطين” ومنهم من دخل المجالس حفاة عراة، لكنهم قبل انتهاء العهدة، أو بعدها، تحوّلوا إلى تجار كبار وأصحاب قصور!
غياب المتابعة والحساب، هو الذي أفلت تلك الكائنات الفضائية من العقاب، وهناك بعض من هؤلاء، نهبوا وعاثوا في بلديتهم فسادا، لكن للأسف غياب الدليل أنقذهم من المقاضاة، ولو إلى حين، في ظلّ صراعات واقتتال داخلي بين المنتخبين القادمين من مختلف الأحزاب، وفي العبث و”الحقرة”، طبعا، تساوى الإسلامي والوطني والديمقراطي واللائكي في تخريب وخراب البلدية !
الانتخابات المحلية، لم يبق لها سوى أشهر معدودات، وستنطلق، حملة مبكرة، لاصطياد صدقات انتخابية، وهناك من سيتحوّل قريبا إلى متسوّل يطلبها أمام الجوامع والأسواق، بعدما ساد الاعتقاد أن دخول البلدية ليس كالخروج منها، وأن هذا المرتع هو أسهل طريق وأقصره لجمع ما على ثمنه وخفّ وزنه، ثم بعدها الخروج كالشعرة من العجين!