المبادرة التي كشفت قوة الأمل وقواعد الإصلاح!
مادام الأمل في الأمة قائما فهي بلا شك قادرة على هزيمة منطق اليأس وتحقيق جميع أهدافها بغضّ النظر عن الإمكانات والقدرات والظروف الموضوعية وغير الموضوعية. ذلك ما يمكن استخلاصه من مبادرة حملة التشجير الواسعة التي جسِّدت في اليومين الأخيرين، بما جمعت من قوى وحملت من أمل في أن تصبح الجزائر خضراء كما حلم به الشاب فؤاد معلى وعشرات الآلاف من أمثاله في قطاعات مختلفة لم تركّز عليهم الأضواء..
لا يهم إن كان عدد الأشجار مليونا أو أقل أو أكثر بقدر ما يهم أن أمل “فؤاد” تحقق وأنه انتصر على اليأس وأثبت ميدانيًّا أن قوة الأمل حقيقة موجودة بيننا ويمكنها أن تتجسد على أرض الواقع وفي ظرف وجيز. ولعلها أكبر مسألة يمكن استخلاصها اليوم على خلاف كل تلك الخطابات المُحبِطة التي ترى كل شيء منهارا، بل تكاد تجزم أن إرادة التحسين المستمر وإمكانية تحقيق الأفضل لم تعد قائمة لدى أجيال اليوم.
لقد جاء في كتاب أبي الحسن الماوردي* (أدب الدين والدنيا في فصل قواعد صلاح الدنيا) “اعلم: أن ما تصلح به الدنيا حتى تصبح أحوالها منتظمة، وأمورها ملتئمة، ستة أشياء، هي قواعدها وإن تفرعت، وهي: دين مُتّبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عامّ، وخصب دار، وأمل فسيح” (ص 217). ولعله من بين العلماء القلة الذين خاضوا في المسائل السياسية واعتبروا “الأمل الفسيح” من بين أركان بناء الدول والمجتمعات الصالحة التي تقوم على مبدأ الاستدامة بالمصطلح المعاصر، إذ أضاف في الفصل ذاته: ولو قصُرت الآمال لما تجاوز الواحد حاجة يومه، ولا تعدّى ضرورة وقته، ولَكانت تنتقل إلى من بعده خرابا، ثم تنتقل إلى من بعده بأسوأ من ذلك حالا، حتى لا ينمي فيها نبت، ولا يمكن فيها لبث” (ص 234). وكأنه يتحدث عن يومنا هذا، فقد فتحت مثل هذه المبادرة الأمل على مصراعيه لنا جميعا وأكدت أنه بإمكان كل منا أن يتجاوز حاجة يومه وضرورة وقته ليمنع أن تصل بلادنا إلى الأجيال القادمة خرابا لا نبات فيها ولا يمكن اللبث أي البقاء والعيش فيها. ولعل هذا ما يجب الانتباه والتنبيه إليه. نحن بالفعل في حاجة إلى إصلاح كافة أمورنا بالسلطة القوية والعدل الشامل والأمن العامّ والاقتصاد المزدهر (الخصب الدار) ومحاربة اليأس من خلال التعزيز الدائم للأمل الفسيح…
ولا أظن أن علماء السياسة وعلماء النفس والاجتماع وكل المهتمين بما يُعرَف في الفكر السياسي المعاصر بـ”بناء الدول”state building سَيستغنون عن مثل هذه المنهجية التي قدّم عناصرَها الفكرية الإمامُ الماوردي ـوتجسدت في مبادرة شاب يحلم بجزائر خضراء- مع فارق بسيط أن الإصلاح الذي جسَّدته هذه التجربة لا يقوم فقط على المؤسسات كما في الفكر السياسي الحديث إنما على القواعد الأخلاقية والنظام القيمي والتآزر بين الدولة “صلاح الراعي”، والرعية “صلاح الرعية”: الأولى بالتزام العدل والثانية بالتزام الاستقامة “فإذا صلحا صلُحت، وإذا فسدا فسدت”..
وقد لا أبالغ إن قلت إننا سَنتُوق إلى مثل هذه المبادرات في قطاعات أخرى ليس فقط لتعزيز الأمل لدينا إنما لاستحداث تعاضد تلقائي بين المجتمع ومؤسسات الدولة الذي وحده يستطيع تمكيننا من تحقيق الإصلاح الحقيقي الذي نتطلع إليه.
*عاش الماوردي في الفترة ما بين (364-450 هـ) (975-1058م).