-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المجاهد أبو القاسم سعد الله… فارس العلم والقلم

الشروق أونلاين
  • 2493
  • 0
المجاهد أبو القاسم سعد الله… فارس العلم والقلم

كانت الساعة الرابعة وأربع وأربعين دقيقة من مساء يوم السبت 14 / 12 / 2013 عندما هاتفني صديقي الأستاذ الدكتور مسعود فلوسي ، وبعد السلام والتحية .. قال لي : (( هل علمت آخر الأخبار ؟!!.. )) قلت على الفور لا ـ واستيقنت قبل أن يكمل الخبر أن الأمر جلل ـ قال لي : (( الدكتور سعد الله توفي إلى رحمة الله )) .. فكان الخبر الفاجع الذي زلزلني وهزني من الداخل ؛ والأستاذ الدكتور مسعود فلوسي من القلائل الذين يعرفون عمق الرابطة والصلة الوثيقة التي تربطني بالفقيد الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله … دَعَوْتُ له بالرحمة والمغفرة .. وَوَدَّعْتُ الدكتور فلوسي ، وبقيت وَاجِمًا مستغفرًا مترحمًا على هذا الرجل الفذ الذي أخلص للعلم وألزم نفسه بالمناضلة الشريفة في مجال البحث العلمي ومتابعة الشأن الثقافي بوساطة جهوده المخلصة واهتماماته التي ركزت على إحياء التراث والتاريخ الجزائريين وتخليصهما من منظور المدرسة الكولونيالية.

وكان هذا المشروع العلمي الضخم ـ الذي تحمله فقيدنا المرحوم الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله ـ الذي لا يتصدى له إلا الفحول من العلماء ، ولا يصبر ويصابر على مشاقه والمعاناة في سبيله إلا أولئك الذين تشهد أعمالهم الخالدة على ما بذلوه في سبيل نشر العلم وترقية المعرفة بَلْهَ الاضافات المبدعة . ومن ثمة كان العلم هو شغله الشاغل ، وكانت الدراسات الأكاديمية هي التي ارتضاها لنفسه عن قناعة وطواعية واختيار ، وكان يردِّدُ دائمًا عبارته الذهبية : (( … مشاريعي العلمية أكبر من عمري . )) . وكان عليه رحمة الله كالنحلة الذكية التي أوحى لها ربك لتؤدى وظيفتها وفق الناموس المسطر لها متنقلة بين أنفع الأشجار وأفيد الأزهار، وكانت رحلاته ومحطاته بين أشهر المكتبات ، وما فيها من نفائس المجاميع والمخطوطات ، وكانت أجمل لحظات سعادته تلك التي يقضيها قارئا ومُدَوِّنًا ومقابلا بين النصوص ومُقَارِنًا بين المصادر والمراجع المتنوعة التي يعرف وحده كيف يغربلها وينخلها بمنهجه الصارم وطرائقه العلمية الدقيقة الموشحة بشروحاته وتعليقاته الثرية وملاحظاته القيمة التي يتدفق بها صلب قلمه ، وهي بمثابة الشراب المختلف ألوانه يتشكل منها صميم العلم وجرثومته.

كان البروفيسور سعد الله مُبرمِجًا لأعماله ، وكانت رزنامته الفكرية والعلمية ـ اليومية أَوْ على المدى الطويل ـ مزدحمة بكثرة الأعمال وتراكم المشاريع ؛ والغريب أن مشاريعه ليست مقتصرة على اختصاص واحد يتعلق بالتاريخ كما يتبادر إلى كثير من الأذهان ؛ وأعماله في الواقع قد يتغلب عليها التاريخ إلى حَدٍّ ما ، ولكن مشاريعه بشكل عام لا تصب كلها في مجال التاريخ ، فسعد الله بدأ حياته إعلاميا ـ مراسلا من تونس ـ في جريدة (( البصائر )) وغيرها من جرائد تونس ، وكان في خواتيم الأربعينيات ومطالع الخمسينيات من القرن الآفل شاعرًا شابًّا مُغَرِّدًا في آفاق الوطنية المكبلة من طرف الآسر المحتل ، كما كان قَاصًّا مُبْدِعًا وصاحب خواطر رائعة نشرها هنا وهناك في جرائد الجزائر وتونس ومجلة (( الآداب )) البيروتية ، وكان متابعا ومطلعا على ينابيع الثقافة المشرقية ، وظل على تلك الحال قارِئًا نهمًا يلتهم كل ما يقع في يده ، وقد انتفع بذهابه إلى تونس بكل ما كان يُنْشَرُ هناك من ثقافة متنوعة ، وعلى الرغم من كثرة المواد التي كانت مقررة على طلبة الزيتونة يومذاك إلا أن فقيدنا ـ عليه رحمة الله ـ كان فرادة بين أقرانه ولَدَّاتِهِ وظاهرة علمية تَنْمَازُ عن غيرها ، وبذلك استطاع أن يُوَفِّقَ بين مهمة الطلب والتحصيل والازدراد من الكتب الخارجة عن المقرر ، وقد كان لكل تلك الكتب التي كانت تستهويه وتأخذ بمجامع قلبه الأثر البالغ في تكوينه وتحصيله اللغوي وصقل مواهبه في مجال الشعر والفن القصصي .

وفي تونس نجح في نشر تجاربه القصصية وأشعاره الأولى وخواطره المبدعة في جريدتي : (( النهضة )) و (( الأسبوع )) وهو دون العشرين ، وفي تونس ـ أيضا ـ تعرَّف على أدب المشرق وتابع باهتمام وانتظام ما كانت تنشره : (( الآداب )) اللبنانية و (( أبوللو )) و (( الرسالة )) المصريتان وغيرهما من المجلات الأدبية التي لا تصل إلى الجزائر ، وكان مساره في هذا الإتجاه الجديد مُوَفَّقًا ، بل كان بمثابة الفتح العلمي الجديد الذي جمع بين الاطلاع والنشر . والواقع أن انطلاقته ـ الإيجابية ـ وجراءته على النشر ومساهمته في الحياة الأدبية يُعَدُّ من الحوافز التي جعلت طموحات الشاب سعد الله في محلها ، وكسرت مخاوفه النفسية ، وفسحت أمامه أبواب العلم وما فيه من تحديات وعراك فكري ونقاشات فيها الانتقاد والاختلاف الذي تمليه سلطة المذاهب الأدبية والمدارس الإجتماعية والفلسفية ، بَلْهَ ما تفرضه هيمنة التيارات السياسية . ومن جهوده في تلك الأثناء مساهمته بمعية زمرة من زملائه وصحبه المبدعين تأسيس : (( رابطة القلم الجديد )) التي اتُّفِقَ على تسميتها والانضمام إليها ، و (( رابطة القلم الجديد )) جمعية أدبية غير معتمدة من أية جهة رسمية ، واعتمادها الوحيد هو اتفاق أصحابها ومؤسسيها على تسميتها بهذا الإسم ؛ وهي قائمة فيما بينهم فقط ، وقد نشر بعضهم باسمها محاولاتهم الأولى ، وهي تتألف من تونسيين وجزائريين ، ولعل أبرزهم هو صاحبنا الشاب أبو القاسم سعد الله الذي ظل أكثر التزاما بـ : (( رابطة القلم الجديد )) . والملاحظ أن (( رابطة القلم الجديد )) تفتقر إلى منبر يجمع شتاتها ، ويتولى نشر مساهمات أعضائها الذين راح كل واحد منهم ينشر نتاجه الأدبي في أية جريدة أو مجلة تتاح له فيها فرصة النشر . وتبقى (( رابطة القلم الجديد )) رابطة قائمة بوساطة الاتفاق بين أعضائها ، ولا يكاد يُعْرَفُ لها وجود في واقع الناس ، فهي رابطة اقتصرت على مؤسسيها وحدهم .    

وبعد ذهابه إلى دار العلوم بالقاهرة تفتقت مواهبه الإبداعية وراحت تشق طريقها نحو عالم النشر . وبالموازاة مع دراسته في دار العلوم استطاع هذا الشاب الذي جاء إلى القاهرة ـ بطريقة فيها الكثير من المغامرة والمخاطرة ـ أن يجمع بين الحسنيين ، فكان جادًّا في دراسته ، الأول في الترتيب دائما ، متفهما لوضعه وكيف وَصَلَ إلى القاهرة بقليل من الزاد  وكيف غامر بالمجئ متحديا كل مخاوف اليأس التي كادت تقضي على طموحه المتفائل ، وتدفن آماله العراض في الالتحاق بركب العلم والعلماء ، وكان فقيدنا ـ طيب الله بالرحمات ثراه ـ يعلم أن وجوده في أرض الكنانة معجزة وهو الغريب الذي لا يمتلك قوت يومه ، ولا يعلم أين يولي وجهه وسط العاصمة المصرية التي تعج بالألوف المؤلفة من أمثاله الذين يتوافدون عليها من كل فج عميق ، ليجد كل واحد منهم ضالته المتطلع إليها ، ومقصده الذي جاء من أجله .

وفي دار العلوم التي تحققت طموحاته بالانتساب إليها ، وجد نخبة من العلماء المحققين أخذ عنهم أصول العلم وحقائق المعرفة . وكان نعم الطالب الوارث لعلمهم الغزير ، وكان من أساتذته في دار العلوم الأستاذ المحقق الكبير عبد السلام محمد هارون والأستاذ الدكتور سامي الدهان والأستاذ الدكتور عمر الدسوقي .. وغير هؤلاء ، وفي تلك المرحلة تابع أخبار النخبة المثقفة في مصر من خلال كثرة مطالعاته وشغفه بالأدب الذي هيمن على عقله ، وشغل وقته بالادمان والاستزادة من لذة القراءات المتواصلة التي جعلت منه فيما بعد سعد الله العالم المحقق وشيخ المؤرخين والباحث الأكاديمي الموسوعي . وفي مصر شدته أيضا الحياة الفكرية وما كان فيها من جدل واختلاف بين أساطين العلم وجهابذة المفكرين ، وهناك تعرف على حقيقة الواقع الثقافي وما فيه من مشاهد متباينة ، وأدرك بوعيه الغض أبعاد رسالة المثقف ومواقفه الفكرية وما يترتب عليها من انتماء وتحديد اتجاهات ، ومجابهة سلطة التفكير الموجَّه ، والعض بالنواجذ على الاستمساك بحق حرية الرأي والتعبير ، والتضحية في سبيل الذود عنهما وحمايتهما . وبالرغم من الظروف العسيرة التي التحق فيها بدار العلوم ، فقد كان من أنشط الطلبة وأقدرهم على الإبداع والكتابة ، وكان يحرص على تنظيم وقته وبرمجة نشاطاته التي لا يحيد عنها يمنة أو يسرة بفضل انضباطه الدقيق والتزامه بالعمل الجاد .

وإذا كانت مساهماته الأدبية وما فيها من تنوع وإبداع قد سجلت حضورها بشكل لافت في المشهد الثقافي ، فقد تعرف من جهة أخرى على نخبة من رموز الأدب والثقافة وانجذب إليهم بمواهبه وطموحاته ، وانجذبوا ـ بدورهم ـ إليه ليكون إضافة جديدة تدعم تطلعاتهم ، وتضفي المزيد من المصداقية على مذهبهم الأدبي الجديد الثائر على القديم ، وكان من ألمع الأسماء التي تعرف عليها الشاعر صلاح عبد الصبور والشاعر فاروق شوشة والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وعبد الرحمن الخميسي ويوسف السباعي ورجاء النقاش و محمود أمين العالم ومحمد الفيتوري وعبد الرحمن الشرقاوي .

وبانضمام الأديب الشاب أبو القاسم سعد الله إلى هذه النخبة من أعلام الشعر الحديث في مصر ، رمى وراءه ظهريا أوهام (( رابطة القلم الجديد )) التي كانت تمثل مرحلة محدودة ومؤقتة انتهت وانفرط عقد جماعتها بانسحاب الأستاذ سعد الله منها ، فقد كان عمود خيمتها والأكثر نشرًا باسمها . والحقيقة أن (( رابطة القلم الجديد )) كانت قائمة على التوهم الذي اضطر أعضاءها إلى الإعلان عن إنشائها ، وهي التي تفتقر لكل المقومات القانونية والموضوعية والمادية التي ينبني عليها الإنشاء والتأسيس . ووجد الشاب سعد الله وسط هذا الوضع الثقافي الجديد ـ بمصر ـ ضالته التي كان يبحث عنها ويتغياها ؛ وضاعف من كتاباته المبدعة في مجلة (( الرسالة الجديدة )) و (( الآداب )) البيروتية و (( العالم العربي )) و (( البصائر )) الجزائرية قبل أن تتوقف نهائيا في أفريل 1956 ؛ واستطاع أن يُعرِّف بالأدب الجزائري ـ الذي ظل مغمورًا إلى حين ـ بدراساته المستفيضة على صفحات (( الآداب )) بالإضافة إلى ما نشره من أشعار ودراسات نقدية تتلاءم مع توجهات (( الرسالة الجديدة )) ، ويكاد قلمه لا يتوقف ، وفي تلك الأثناء اشترك في العديد من المناشط الثقافية شعرا ونثرا وإبداعا في القصة والرواية والنقد ، و كثف من مطالعاته المتنوعة ، وكانت فترة تواجده بدار العلوم فترة خصبة توازى فيها التكوين العلمي الرصين وإشباع الرغبة من مطالعة المعاناة المتواصلة التي لا تعرف الراحة أو الانقطاع . وتحولت قراءاته إلى ظاهرة إدمان تقتصر عليه دون سواه ، وتمكن في نهاية المطاف من الإنتصار لثورته بطبع باكورة إنتاجه الشعري (( النصر للجزائر )) في (( دار الفكر )) بالقاهرة سنة 1957 وهي السنة التي وقع فيها (( إضراب الثمانية أيام )) و دارت فيها (( معركة الجزائر )) بعنف وضراوة  زلزلتا قواعد الواقع الكولونيالي الجائر .

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!