الرأي

المجد للسّنوار والخزي لأهل الخيانة

سلطان بركاني
  • 1523
  • 0

في خضمّ معركة الصّمود التي يخوضها المرابطون في غزّة أمام إرهاب وإجرام تتار العصر من الصهاينة وأعوانهم؛ فجعت الأمّة بصور ينشرها العدوّ المحتلّ لارتقاء أسد من أسود الشرى وليث من ليوث الأمّة، المجاهد يحيى السنوار، تقبّله الله في الشّهداء. صور تألّمت لها نفوسنا وغصّت لها حلوقنا، ولكنّ عزاءنا أنّ هذا هو طريق النّصر والعزّ والتّمكين الذي لا يفرش بالورود والرياحين، إنّما يفرش بدماء وأشلاء الصفوة المصطفين الذين يرتقون ليبثّوا الحياة في الأمّة وينيروا لها الطّريق.

مع ألمنا وحزننا لفقد السّنوار، إلا أنّنا مع ذلك نحمد الله أنّه استشهد في غزّة بين أهله وإخوانه، لابسا لامة الحرب، سلاحه بيده، متهيّئا لقتا عدوّه، مقبلا غير مدبر. ارتقى شهيدا في معركة صمد فيها حتى نفدت ذخيرته ولم يجد إلا عصا جعلها سلاحه، ولأنّ العدو رعديد جبان اضطرّ ليواجه السّنوار بالدبّابات، فكانت النهاية التي نحسب أنّ الله قد أكرم بها عبده المجاهد الصّامد وبلّغه ما كان يرجوه ويتمنّاه ويدعو به ويعمل له.. ولسنا ندري أيّ سرّ كان بين السّنوار وربّه حتّى يكرمه بهذه الميتة ويخصّه بهذه الخاتمة، ولا يترك العدو يفرح أو يهنأ بأسره؟!

زعم المنافقون أنّ السّنوار فرّ خارج غزّة وترك أهلها تبيدهم آلة الإجرام الصهاينة، وها هو يستشهد على أرض غزّة الطّاهرة كما يستشهد إخوانه.. وزعم المرجفون أنّه يختبئ تحت الأرض ويترك المدنيين يقتلون على ظهرها، وها هو يستشهد على ظهر الأرض المباركة.. زعم أهل الخبال أنّ السّنوار يتنقّل في زيّ ولباس امرأة، وها هو يموت في زيّ المجاهدين الأبطال؛ فلا نامت أعين الجبناء.

كان السّنوار يريد أن يتمّ المشوار، ولكنّ الله أراد له أن يرتاح بعد 22 عاما قضاها في الأسر و13 عاما قضاها مرابطا يعدّ العدّة لمواجهة العدوّ، وكان العقل المدبّر لطوفان الأقصى.

استشهد وظهرت جثته بعد استشهاده وبها من الإصابات والكلوم ما بها، لكن يكفيها أنّها كانت مغشّاة بغبار الجهاد، والنبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-يقول: “لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبدٍ أبدًا” (رواه النسائي وغيره).

ارتقى السّنوار شهيدا سعيدا بإذن الله؛ فهل يحسب القاعدون والمرجفون الذين أشربوا في قلوبهم الذلّ وفقدوا كلّ معاني الرجولة والشّرف، هل يحسب الذين قالوا عن السنوار أنّه ألقى بأهل غزّة إلى التهلكة، ثمّ قالوا عنه لمّا استشهد: مستراح منه، كما قالوا من قبل عن إسماعيل هنية؛ هل يحسبون أنّهم سيعيشون من بعد السّنوار في عزّ وأمان ومنعة وتمكين؟ هل يحسبون أنّ العدوّ الصهيونيّ وأولياءه سيشكرون لهم سعيهم ويحمدون لهم فرحهم بمقتل السّنوار؟ لا والله.. فللمرجفين يوم لن يجاوزوه، ووعد الله آت لا محالة: يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “ما من امرئ يخذل امرءًا مسلما في موطن يُنتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته”.

هؤلاء الذين لم يكفهم أنّهم خذلوا الفئة المجاهدة في غزّة وتخلّوا عن الطّائفة التي تنوب عن الأمّة في الدّفاع عن أقصاها، حتّى حرّضوا الصهاينة على حرب المرابطين وأغروهم بقتل قادة المقاومة؛ هؤلاء سيحيق بهم ما حاق بالخونة والعملاء في التاريخ.. وسيسلّط الله عليهم من خانوا الأمّة لأجلهم، فسنّة الله ماضية أنّ من أعان ظالما سلّط عليه، والله لا يهدي كيد الخائنين.

هؤلاء لا يقرؤون التاريخ، ولو كانوا يقرؤونه لوقفوا على عاقبة العملاء والخائنين لعلّهم يرتدعون وما نظنّهم يفعلون ذلك.. ولعلّ من أوضح وقائع التاريخ الإسلاميّ التي تحكي بوضوح ما حاق بالخائنين، ما حصل لأهل بخارى مع التتار.

في سنة 603هـ/ 1206م، ظهر التتار في منغوليا أقصى شمال الصين، وانطلقوا تحت قيادة “جنكيز خان” ليبسطوا سيطرتهم على العالم، وبدؤوا في حملتهم على الأمّة المسلمة بالدولة الخوارزمية الفارسية السنية التي كانت الأقرب إليهم، وكانت تشمل مناطق من إيران وأفغانستان وكازاخستان، وتضمّ كذلك أوزبكستان التي من ضمن ولاياتها بخارى وسمرقند.

وصل التتار إلى حدود الدولة الخوارزمية سنة 616هـ/ 1220م، والتقى جيشهم بقيادة جنكيز خان بجيش المسلمين بقيادة محمد بن خوارزم شاه، في موقعة مشهودة استمرت أربعة أيام متصلة، استُشهد فيها من المسلمين 20 ألفًا، وهلك من التتار أضعاف ذلك. ولكنّ القائد المسلم محمد بن خوارزم شاه ارتكب خطيئة حينما انسحب بجيشه إلى الوراء ليُحصِّن المدن الكبرى في مملكته الواسعة خاصة العاصمة: أورجندة.. في تلك الأثناء كانت دول المسلمين الأخرى العباسية والسلجوقية والغورية قد وقفت موقف المتفرّج!

انطلق التتار إلى مدينة “بُخارى” مسقط رأس الإمام البخاري رحمه الله، التي تتبع حاليا لدولة أوزبكستان، فحاصروها، لكنّهم عجزوا عن اقتحامها. ‏ففكّر جنكيز خان في حيلة ماكرة يدخل بها المدينة المحصّنة، فكتبَ إلى أهلها يقول: “ﻣﻦ وقفَ ﻓﻲ صفِّنا ﻓﻬﻮ ﺁﻣﻦ”! ‏فانقسم أهل بخارى إلى فئتين؛ فئة خائرة تمثّل الأكثرية، على رأسها تجار بخارى وأثرياؤها ووجهاؤها، قالت: لا طاقة لنا اليوم بجنكيز خان وجنوده، وقررت الاستسلام.. وفئة أخرى مؤمنة صابرة بينها المجاهدون والعلماء والمشايخ؛ قررت قتال التتار دفاعاً عن الأرض والدين والعرض، واعتصمت بقلعة بخارى الكبيرة التي كانت منيعة ومليئة بالمؤن والعتاد ومحاطة بالخنادق العميقة، في حين قرر أهل الخور والخيانة في الـ 4 من ذي الحجة سنة 616هـ/ 1220م، أن يفتحوا أبواب المدينة لجنكيز خان وجنوده من التتار.. دخل جنكيز خان وأمر الخائنين أن يعينوه في الاستيلاء على القلعة التي تحصن بها المجاهدون والعلماء والفقهاء، فتعاون الخونة مع التتار في ردم خنادق القلعة وآبارها، ولم يستطع المجاهدون الذين كانوا حوالي ألفين أن يصمدوا لأكثر من 10 أيام، فاستشهدوا مقبلين غير مدبرين.

ظن الخونة أنهم قد صاروا في مأمن بعد أن قدموا دماء إخوانهم المجاهدين والعلماء قرباناً للتتار، ولكن سنة الله ماضية، فقد سحب جنكيز خان من الخونة السلاح وأمرهم بأن يضعوا بين يديه كلّ ما يملكون من الأموال، ثمَّ أمرَ جيشه بذبحهم، وقال قولته المشهورة: “ﻟﻮ ﻛﺎﻥ يُؤمنُ ﺟﺎﻧﺒﻬﻢ ما ﻏﺪﺭﻭﺍ ﺑﺈﺧﻮﺍﻧﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﺟﻠﻨﺎ نحن ﺍﻟﻐﺮﺑﺎء”. ثم أحل المدينة المسلمة لجنده، ففعلوا بها ما لا يخطر على بال!

يصف ابن كثير ما فعله التتار ببخارى المسلمة، فيقول: “قتلوا من أهلها خلقًا لا يعلمهم إلا الله، وأسروا الذرية والنساء، وفعلوا مع النساء الفواحش في حضرة أهليهن. ارتكبوا الزنا مع البنت في حضرة أبيها، ومع الزوجة في حضرة زوجها، فمن المسلمين من قاتل دون حريمه حتى قُتِل، ومنهم من أُسر فعُذِّب بأنواع العذاب، وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال، ثم أشعلت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها، فاحترقت المدينة حتى صارت خاوية على عروشها”.

مقالات ذات صلة