المجلس الدستوري الفرنسي يسقط ثلث مواد قانون الهجرة
وجّه المجلس الدستوري الفرنسي ضربة موجعة لليمين المتطرف والتقليدي الفرنسيين، برفضه أكثر من ثلث مواد قانون الهجرة، الذي جاء نتيجة تحالف بين معسكر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والأوساط اليمينية على مستوى الغرفة العليا للبرلمان الفرنسي، الشهر المنصرم.
وأسقط المجلس الدستوري، الذي يرأسه وزير الخارجية الأسبق، اليساري لوان فابيوس، 32 مادة من القانون الذي يحصي 86 مادة، في توجّه قرأ فيه اليمين واليمين المتطرف الفرنسيان، مناورة من قبل رئيس بلادهم الذي حرص على القيام بمهمة ما خلف الستار، من أجل إسقاط المواد التي كانت محل جدل كبير بين الفرنسيين، بسبب استهداف للجاليات المهاجرة، الأمر الذي دفع البعض إلى التحذير من حدوث انشقاق داخل المجتمع الفرنسي، بسبب التمييز بين الفرنسيين حسب أصولهم.
وتتعلق النصوص التي رفضها المجلس الدستوري بتقليص الإعانات الاجتماعية ولم الشمل العائلي، بالإضافة إلى فرض نظام حصص خاصة بالهجرة يحددها البرلمان، وهي البنود التي تم اعتمادها بفضل تحالف واضح بين معسكر الرئيس مع الأوساط اليمينية المتطرفة على مستوى مجلس الشيوخ، وذلك بعدما تمكن اليسار من إفشال تمريره على مستوى الجمعية الوطنية (الغرفة السفلى للبرلمان).
هذه القراءة كشف عنها جوردان بارديلا رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف (الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبان سابقا)، الذي انتقد ما وصفه بأنه “انقلاب من قبل القضاة بدعم من الرئيس” ماكرون. كما وجّه لوران فوكيي، المرشح الجمهوري المحتمل للانتخابات الرئاسية لعام 2027، التهمة ذاتها بإدانة “الانقلاب”.
فيما اتهم رئيس حزب “الجمهوريون” اليميني إريك سيوتي، رئيس المجلس الدستوري، لوران فابيوس، بـ”التواطؤ” مع إيمانويل ماكرون “لعرقلة إرادة الشعب الفرنسي الذي يريد هجرة أقل”، ليرد عليه فابيوس بأنه “ليس موجودا لتقديم خدمات سياسية” بل “قرار قانوني” ملزم للجميع.
ويشكل إسقاط المجلس الدستوري لثلث قانون الهجرة، انتصارا كبيرا للجاليات المهاجرة والتي تعتبر الجزائرية أكبرها على الإطلاق، وهزيمة مدوية لأعدائهم الأوساط اليمينية المتطرفة، التي بنت كل برامجها السياسية والانتخابية على استهداف الفرنسيين من أصول مهاجرة، أملا في تحقيق مكاسب حزبية ضيقة.
وإن كان للقرار طابع قانوني محض، كما قال لوران فابيوس، إلا أن الاعتبارات السياسية تبدو حاضرة وبقوة، وتتضح من خلال تدخل الرئيس ماكرون لدى المجلس الدستوري من أجل القيام بمراجعة قانونية لقانون الهجرة، تفاديا لأي صراع مع الدول التي تنحدر منها الجاليات المهاجرة، وعلى رأسها الجزائر باعتبارها الدولة التي لها جالية أكبر متواجدة على التراب الفرنسي.
ويشبه ما قام به المجلس الدستوري الخميس الأخير، القرار الذي اتخذه المجلس ذاته في سنة 2005، عندما تدخل بإيعاز من الرئيس الفرنسي الأسبق، جاك شيراك، من أجل إسقاط بعض المواد التي تضمنها قانون 23 فبراير 2005، الذي سن من قبل الأوساط اليمينية واليمينية المتطرفة، من تمجيد الممارسات الإجرامية للاحتلال الفرنسي في الجزائر وفي غيرها من البلدان التي تعرضت للاستعمار الفرنسي.
وقد خلف قانون 23 فبراير 2005 غضبا شديدا لدى الشعوب والدول التي تعرضت للاحتلال الفرنسي، من أقصى جنوب شرق المحيط الهادي إلى بحر الكاريبي، ثم القارة الإفريقية ومنها الجزائر، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من إصدار لائحة برلمانية تجرم ممارسات الاحتلال الفرنسي في الجزائر، قبل أن تتدخل الرئاسة حينها لوأد اللائحة في مهدها، بحجة أن الرد على القانون الفرنسي من الصلاحيات الحصرية لرئاسة الجمهورية.
وكان ذلك مقدمة لتدخل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، لدى المجلس الدستوري من أجل إسقاط المواد المثيرة للجدل في القانون، ولاسيما تلك التي تمجد ممارسات الاستعمار الفرنسي، لتعود النفوس بعدها إلى الهدوء ويتم تجاوز أزمة فرنسا مع مستعمراتها السابقة.