المدارس الخاصة بين الرسوم الباهظة واكتظاظ الأقسام!
تشهد المدارس الخاصة في الجزائر إقبالا متزايدا من طرف الأولياء الراغبين في الحصول على تعليم نوعي لأبنائهم، وتوفر ظروف بيداغوجية أفضل مقابل مبالغ مالية معتبرة في اغلب الأحيان، غير أن واقع الحال يكشف عن مفارقات أرقت أولياء التلاميذ مع بداية الدخول المدرسي الجديد، ويتعلق الأمر بارتفاع عدد التلاميذ في القسم الواحد إلى أكثر من 25 تلميذا أحيانا، الأمر الذي أثار موجة استياء وسط الأولياء الذين اعتبروا أن الخدمات المقدمة لا تتناسب مع الرسوم والتكاليف التي يدفعونها سنويا.
يلجأ الكثير من الأولياء ليس فقط ميسورو الحال ماديا، بل حتى متوسطي الدخل، إلى تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة لضمان تعليم نوعي، حيث يتراوح سعر التمدرس فيها ما بين 30 و90 مليون سنتيم سنويا، وقد يتجاوز ذلك في بعض المؤسسات بالعاصمة والمدن الكبرى، ويعتقد الأولياء أن هذه المصاريف والتكاليف الباهظة يمكن لها أن تضمن لأطفالهم بيئة تعليمية جيدة وتحقيق نتائج دراسية أفضل، داخل أقسام لا يتعدى العدد بها 20 تلميذا، إلى جانب متابعة فردية لكل طفل وتطبيق مناهج حديثة، غير أن كثيرا منهم صدموا مؤخرا باكتظاظ الأقسام بشكل يقترب أحيانا من نظيره في المؤسسات العمومية، مع تسجيل أقسام تضم أكثر من 30 تلميذا، وهو ما اعتبروه إخلالا بالوعود التي تسوقها هذه المدارس، وهذا ما كشفته إحدى الأمهات في حديثها لـ”الشروق” أنها دفعت مبلغا ماليا تجاوز 10 ملايين سنتيم من اجل تمدرس ابنها في مدرسة خاصة لهذه السنة، غير أنها اكتشفت لاحقا أن ابنها يدرس رفقة 28 تلميذا في نفس القسم، وتساءلت المتحدثة عن كيفية تلقي ابنها المتابعة الفردية التي وعدت بها من قبل إدارة المؤسسة قبل دفع المبلغ المحدد، واستطردت محدثتنا قائلة أن الأولياء الذين يفضلون تمدرس أبنائهم بالمدارس الخاصة لا يطالبون بخدمات خيالية على حد تعبيرها، والاكتفاء بمطلب في عدد معقول من الزملاء داخل القسم، حتى يتمكنوا من الاستيعاب الجيد، مشيرة إلى غياب قوانين تحدد العدد الأقصى للتلاميذ في المدارس الخاصة.
بن عودة: إقبال الجزائريين على هذه المؤسسات تسبب في ارتفاع العدد
ويؤكد خبراء التربية أن تقليص عدد التلاميذ في القسم إلى ما بين 15 و20 في الابتدائي، و20 إلى 25 في المتوسط والثانوي، كفيل بتحسين التحصيل الدراسي وضمان متابعة فردية لكل تلميذ، مع اقتراح البعض منهم إخضاع المدارس الخاصة إلى رقابة دورية صارمة من طرف مفتشي التربية، لمراقبة ظروف التمدرس وعدد التلاميذ في القسم، مع ربط ذلك بتجديد رخصة النشاط.
الإقبال تسبب في ضغط على عدد محدود من المؤسسات
وفي السياق، كشف الخبير التربوي عمر بن عودة في حديثه لـ”الشروق”، عن تنامي ظاهرة الاكتظاظ داخل بعض المدارس الخاصة في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي قد يؤثر على الدور البيداغوجي والتربوي والتنظيمي لهذه المؤسسات مقارنة بالتكاليف المادية المدفوعة، ويؤثر سلبا على التحصيل العلمي وجودة التعليم المقدمة حسبه.
وأوضح المتحدث أن هذا الاكتظاظ يعود جزئيا إلى الإقبال الكبير من طرف الأولياء لتسجيل أبنائهم في هذه المدارس، يقابله نقص في التوسع الجغرافي وعدم توفر مدارس خاصة في كافة مناطق الوطن، الأمر الذي قد يؤدي إلى ضغط على عدد محدود من المؤسسات، وأدى إلى تحويلات عكسية نحو المدارس العمومية.
وأكد بن عودة أن المدارس الخاصة لعبت دورا كبيرا في تحسين المنظومة التعليمية في الجزائر رغم إشكالية الاكتظاظ، من خلال ما توفره من مناخ تربوي منظم واهتمام فردي بالتلاميذ، ومناهج تعليمية مطابقة لما هو معمول به في القطاع العمومي، مع أفواج دراسية قليلة العدد.
وضع آليات قانونية لاستمرار نوعية التعليم والحد من الاكتظاظ
وأشار الخبير إلى أن هذه المدارس تعتمد مناهج تعليمية حديثة ومتطورة باستمرار، تستجيب لمتغيرات المجتمع وتعمل على تطوير قدرات التفكير الإبداعي والابتكار لدى التلاميذ، مضيفا أن البنية التحتية المتطورة، والتجهيزات الحديثة، والبيئة التعليمية الآمنة والمنظمة -على حد تعبيره- كلها عوامل جعلت هذه المؤسسات خيارا مفضلا لدى الكثير من العائلات.
وشدد بن عودة على ضرورة تدخل الجهات المعنية لضبط وتسيير توسع هذه المدارس بشكل متوازن، داعيا إلى وضع آليات تنظيمية قانونية واضحة، تضمن استمرارية جودة التعليم وتحد من ظاهرة الاكتظاظ، من أجل الحفاظ على المكاسب المحققة والارتقاء أكثر بالعملية التعليمية في الجزائر، قائلا ان المدارس الخاصة تخضع إلى رخصة تمنحها وزارة التربية الوطنية، وتتضمن مجموعة من الشروط المتعلقة بالمقر والتأطير، المناهج والقدرة الاستيعابية، غير أن النصوص التنظيمية الحالية لم تحدد بشكل صريح العدد الأقصى للتلاميذ في القسم الواحد بالمدارس الخاصة، خلافا لما هو معمول به في بعض الدول، حيث يلزم القانون هذه المؤسسات بعدد محدد يختلف حسب الطور الدراسي.
تحديد يخضع لمساحة القاعة وتوفر الوسائل البيداغوجية
من جانب آخر، كشف مسيرو مؤسسات تربوية في القطاع الخاص لـ”الشروق” أن عدد التلاميذ بالأقسام والقوانين الخاصة بتنظيمه هي ذاتها المعمول بها على مستوى المؤسسات التربوية العمومية، وفي هذا الجانب أكدت مسيرة في مدرسة خاصة بمديرية التربية الجزائر غرب، أن احترام المعايير البيداغوجية فيما يخص عدد التلاميذ يمثل ركيزة أساسية لضمان جودة التعليم وفعالية التعلم داخل الأقسام، قائلة أن مؤسستها تحرص على أن لا يتجاوز عدد التلاميذ في كل فوج ما بين 20 إلى 25 تلميذا كحد أقصى، وذلك حسب المستوى الدراسي وطبيعة المادة، كما أن المبدأ الذي يقوم على التعليم المتمركز حول المتعلم، وهو مبدأ لا يمكن تحقيقه إلا في بيئة تعليمية مريحة تسمح للمعلم بالتفاعل الفردي مع كل تلميذ ومتابعة تقدمه بدقة على حد قولها.
وأضافت أن تحديد التعداد في كل قسم يخضع لجملة من المعايير، من بينها مساحة القاعة، وتوفر الوسائل البيداغوجية، وعدد الأساتذة المؤهلين، إلى جانب احترام شروط الأمن والراحة النفسية داخل المحيط المدرسي، قائلة أن إدارة المؤسسة تؤمن أن الجودة في التعليم لا تقاس بعدد المسجلين، بل بنوعية التكوين والتأطير، ولهذا يرفض مبدأ الاكتظاظ الذي يحول العملية التعليمية إلى مجرد تلقين جماعي، ويفقدها روحها التربوية والتفاعلية.