المستشفيات والمستوصفات تعجّ بالمرضى الوهميين
تعج مصالح الاستعجالات في المستشفيات وقاعات الانتظار في العيادات الخاصة بعجائز وشيوخ طاعنين في السن يقصدونها بصفة دورية لإجراء فحوص طبية، حتى أن أغلبية الأطباء والعاملين في المستشفى باتوا يتعرفون عليهم من الوهلة الأولى ويستفسرونهم عن أحوالهم الشخصية وأخبارهم العائلية، فبعضهم يرى في تردده على العيادة الطبية جزءا من عاداتهم وروتينهم اليومي فيطمئنون على أحوالهم الصحية ويتبادلون الأحاديث الجانبية ثم ينصرفون لأشغالهم. وهناك آخرون يدعون إصابتهم بالوهن والمرض فقط بسبب ظروف ومشاكل اجتماعية أو خلافات عائلية أو حتى الحنين لأبنائهم يدفعهم لتوهم المرض والتعب من أجل تحقيق غايتهم أو إيجاد حل لمشكلتهم، وهناك من يضيق الأطباء ذرعا بهم فيوجهونهم لعيادات المختصين النفسانيين.
في إحدى العيادات النفسية بالعاصمة، التقينا عجوزاً مسنة في الستين من العمر، كانت رفقة ابنتها والتي قصت علينا حكاية والدتها مع المرض فقالت: والدتي أرملة نذرت حياتها لتربيتي رفقة إخوتي الـ 5، وبعد أن كبرنا تزوج كل واحد منا واستقل بحياته الخاصة وهو الأمر الذي أحزنها كثيرا، فالبيت الذي كان يعجُّ بالأصوات والضوضاء صار شاغرا دفعة واحدة وصارت جدرانه باردة، وهو ما جعلها تتخيل أمراضا عديدة ومؤخرا أصبحت تشعر بعدم قدرتها على الوقوف والمشي، ورغم أن أبناءها نقلوها لعدة مستشفيات ومختصين وأجروا لها عدة تحاليل وصور أشعة وجهاز سكانير وأجمع الأطباء على عدم وجود أي مانع عضوي يحول دون مقدرتها على الوقوف والمشي، لكنها ظلت تشتكي في كل مرة لينصحهم طبيبٌ مختص في الروماتيزم بنقلها عند الطبيب النفسي خاصة بعد أن لاحظ أنها تمشي بطريقة جيدة في غياب أبنائها وفي حضورهم تتظاهر بالمرض.
وهو الحال نفسه لسيدة في أواخر الستينات من العمر، جلبتها حفيدتها المراهقة البالغة من العمر 17 سنة إلى العيادة، تحكي لنا: جدتي حساسة جدا وتحب أبناءها وأحفادها فهي ترغب في رؤيتنا دوما برفقتها، وبعد سفر ابنها الأصغر أي خالي إلى اسبانيا وإقامته هناك بدت أعراض المرض تظهر عليها فهي تعاني من الإغماء والدوار، كنا نعتقد أنها نوبة سكري وستتخطاها لكن الأمر تكرر عدة مرات ففي كل مرة تزداد حالتها تدهورا، نقلناها إلى عدّة عيادات وعدة مستشفيات خاصة بالسكري ولكنهم أكدوا لنا أن حالتها لا علاقة لها بالمرض ويتوجب علينا عرضها على مختصة في علم النفس، نحن نعلم أن سفر خالي بطريقة مفاجئة وقلقها عليه هو السبب في مرضها فكلما تشتاق إليه تدّعي المرض، معتقدة أن قلبه سيلين وسيرفق بها ويأتي لزيارتها.
وبعيدا عن حالات المسنين الذين يستغلون المرض توجد فئة أخرى من كبار السن الذين يقصدون الاستعجالات يوميا لقياس ضغط الدم دون وجود أي عارض مرضي، فهناك شيوخ يفضلون الدخول في متاهات المستشفيات والركض وراء المواعيد الطبية والاستشفائية لإدخال عائلاتهم في دوامة من القلق والتوتر والخوف على وضعيتهم الصحية.
يسرد لنا “ح. أيمن”، 27 سنة، يعمل كموزع في مصنع خاص بالأجبان والياورت يقيم في كوريفة، أن والده وهو شيخ مسن يدعي إصابته بأمراض مختلفة فمرة يشتكي من المرارة وبعد استئصالها أصبح يشتكي من آلام في قلبه، أجرينا له فحوصاً طبية في الأخير اتضح أن قلبه سليم معافى مثل قلب شاب في العشرين، وضعية والدي الصحية عقدت حياتي فأنا أعمل خارج العاصمة وفي كل مرة أكون في الطريق يتصلون بي ويطلبون مني العودة، فوالدي في حالة خطيرة وقد يموت لكن بمجرد عودتي يتحسن وضعه، بدأت أعتقد أن الأمر يتعلق بخوفه من الوحدة وقد نصحني أحد العمال باستعجالات زميرلي بعرضه على نفساني لكنه رفض.