المسلمون وقعوا بين مطرقة الإرهاب وسندان اليمين المتطرف بفرنسا
…
كيف تنظر فرنسا إلى حادثة ذبح راهب في كنيسة وما تداعياتها؟
ما حصل إرهاب وحشي همجي، مخالف تماما لما جاء به الإسلام السمح، الذي يحمل تعاليم التعاضد والتآزر والمحبة والرفق. وندين طبعا، ونشجب ما حصل. وتداعيات مثل هذا التصرف كبيرة، ونطلب من كل شرائح المجتمع الفرنسي، خاصة المسلمين، أن يعبّروا عن تضامنهم مع المكوّن المسيحي الكاثوليكي داخل فرنسا وخارجها. وعلى المجتمع الفرنسي ألا يقع في مغبة التشرذم والتفرقة. التفرقة، هذا ما يريده الإرهابيون ونحن لهم بالمرصاد، ويجب ألا نقع في فخ التجزئة داخل المجتمع الفرنسي.
هنالك أصوات خاصة من اليمين المتطرف، تنادي بالانتقام من المسلمين، وتسوّق خطابا عدائيا ضدهم. كيف يمكن مواجهة حملة الكراهية ضد المسلمين؟
أصبح المسلمون بين المطرقة والسندان، بين مطرقة الإرهاب التي لا تفرِّق بين الانتماءات الدينية، وهذا ما حصل خلال اعتداء نيس، حيث إن ثلث الضحايا من المسلمين، وغالبية ضحايا اعتداء برلين كانوا من المسلمين كذلك. رغم هذا لم يكتفِ اليمين المتطرف، وهم يتفوّهون بكلمات غير مسؤولة كلها عداء ضد المسلمين.
مرة أخرى، على مسلمي فرنسا أن يتحلّوا بالحكمة والفطنة وبرودة الأعصاب، وأن تكون صفوفهم مرصوصة، وأن يكونوا متّحدين مع باقي أطياف المجتمع الفرنسي، لأننا نعيش زمنا صعبا للأسف الشديد، خاصة أننا نجني ثمار تقاعس الأئمة والمشايخ إزاء آفة ترويج خطاب العنف والقتل والعمليات الانتحارية على أنها عمليات استشهادية. كما أن ما ذكر سابقا راجعٌ إلى النزق والتحجر الفكري، خاصة إضفاء القداسة على العنف باسم الدين، ولهذا نجني هذه الثمار المرّة الآن، وهي أزمة صعبة وستستمر، وعلى مسلمي فرنسا والمسلمين عامة أن يخرجوا في مظاهرات عارمة للتنديد وشجب العمل الإجرامي الإرهابي، الذي يمس دور العبادة بكل وحشية.
هل وصلنا الآن في اعتقادك إلى قطيعة حقيقية بين الفرنسي والمسلم في فرنسا والغرب عامة؟
ربما إلى غاية اعتداء نيس لم نر هذا، تنامي العداء ضد المسلمين لم يكن كما توقعناه، ولكن بعد قضية نيس نلحظ أن هنالك كراهية وعداء وضغينة لما هو مسلم وإسلامي، وإذا حدث هذا الشيء وتصدعت الوحدة الفرنسية داخل الجالية أو المجتمع الفرنسي نر أن الفرنسيين قد وقعوا في الفخ الذي نصبه لهم الإرهابيون.
تحدَّثت عن ضرورة تصحيح صورة الإسلام، كيف ينظر الغربي إلى الإسلام؟ هل هنالك خللٌ في تسويقنا للإسلام؟
نعم للأسف، ولدينا نقطتان في هذا الإطار، لم نستطع أو نعرف كيف نسوّق بطريقة لبقة ذكية حكيمة، تعاليم الإسلام السمحة والرفق والتعاضد والتآزر والتآخي والإنسانية، التي بنت حضارة وإمبراطورية، هذا للأسف لم يستطع الخطباء والدعاة الحديث عنه بلباقة، وباستعمال وسائل الإعلام الحديثة.
الجانب الثاني، الذي يجب الاعتراف به أن هنالك كتب التراث كالمغازي والكثير من السِّير التي قدست العنف، ولم نستطع الآن أن نترك هذه المراجع لتاريخها، ربما كان لها ما يبرِّرها في القرنين التاسع والعاشر، بينما الآن إذا أخذناها يجب ألا نطبقها بحذافيرها.
يجب أن ننزع الغبار عن هذا التراث، وعلينا أن نجدد الفكر، وألا نبقى بمقولة خالد بن الوليد ومقولة سيف ذي الفقار وأن تطبق بحذافيرها قانونا وفكرة ونظرة، لأنه قد مر عليها الدهر.
لكن هنالك جانباً آخر، هو أن العنف المتأتي من المسلم هو رد فعل على اعتداء غربي مسيحي خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ما فعله الغرب في ديار المسلمين أعطى الذريعة لاستهداف المسيحيين؟
هنالك نقطتان: الأولى أن أي معضلة أو أزمة لها عوامل داخلية وخارجية، الداخلية ونعني بها الوهن والفقر والجهل والتخلف الفكري والانحطاط، والقابلية للاستعمار هذا كله معروف منذ 3 قرون، خاصة بعد وفاة سليمان القانوني واندثار الخلافة العثمانية، بالمقابل في المجتمعات العربية المسلمة منذ قرن وزيادة من مصطلحات سايس بيكو ووعد بلفور وقناة السويس وسجن أبوغريب واحتلال العراق، وهذا كله معروف، والغرب يجني ثمار تدخلاته وتعسّفه.
هذا معروف، ولكن وليس استدراكا على ما قلت، يجب أن يكون رد الفعل عبر قيم حضارية وإنسانية ولا نعطي نظرة غير التي هي في الحقيقة، كتدنيس المقدّسات وذبح الرهائن، وقتل الرهبان وذبحهم داخل الكنائس والدير، والاعتداء على الراهبات في الكنيسة، يجب أن يكون رد الفعل في إطار حضاري محض، لأن أي تصرف مخالف لهذا النسق يعطي صورة أن المسلم متوحِّش وهمجي، وأننا لا نعرف التفرقة بين المقاومة المشروعة والمكفولة دوليا، وبين الإرهاب الأعمى والانتقام المتوحش.