الرأي

المشاريع المتصارعة.. ودرس صلاح الدين الأيوبي!

سلطان بركاني
  • 1051
  • 0
ح.م
تعبيرية

في خضمّ الأحداث المتصاعدة والمتسارعة التي تعيشها الأمّة في السّنوات الأخيرة، خاصّة في فلسطين ولبنان والسّودان، يحتدّ النقاش في مواقع التواصل حول المشاريع المتصارعة على كيان الأمّة المنهك؛ أيّها أولى بالمواجهة؟ ومن ثمّ يشتدّ التطاحن حول الرموز التي تسقط في ساحات الوغى خاصّة منها المحسوبة على بعض المشاريع المختلف في شأنها؛ إن كانت تستحقّ الترحّم أم إنّ الواجب هو الحديث عن استراحة الأمّة منها؟
إذا بدأنا بالسّاحة الفلسطينية، فإنّ الراية هناك لا يشكّ مسلم صادق في إسلامه مخلص في ولائه لله ولرسوله أنّها راية سنيّة نقية، تنوب عن الأمّة المسلمة في مقارعة الصهاينة الذين يحتلّون الأرض المقدّسة المباركة، ولا يضرّها أنّها تتلقّى دعما ماديا من هذه الجهة أو تلك، لأنّ نصوص الشّرع وقواعده وتاريخ الأمّة، كلّ ذلك يشهد بجواز الاستعانة بالكافر الأقلّ عداوة لدفع صولة الكافر الأشدّ عداوة، بشرط ألا يكون القرار موكلا للكافر المستعان به ولا تكون الراية بيده، كيف إذا كان المستعان به مسلما منحرفا أو حتى مسلما جمع بين الانحراف والبغي؟
ولهذا فتلك الأصوات النّشاز التي تتّخذ من وسائل التواصل ميدانا لحربها الآثمة على المقاومة الفلسطينية، هي في حقيقة الأمر لا تمثّل الأمّة ولا مذهبا من مذاهبها فضلا عن أن تُعامَل على أنّها النّاطق الحصري والرسميّ باسم دين الأمّة، بل إنّ أنشط أعضائها هم إمّا من الذّباب الإلكترونيّ الذي تسخّره جهات سياسية باعت الدّين والأمّة والقضية بمصالح بخسة! أو من الجهلة أتباع كلّ ناعق الذين ينقادون للدّعاوى الكاذبة والشعارات الخادعة!
وبناءً على هذا فالطّاعنون في المجاهدين الذين يستبسلون في مقارعة العدوّ الصهيونيّ والأبطال الذين يسقون ثرى الأرض المباركة بدمائهم؛ هؤلاء الطّاعنون لا عبرة بمواقفهم التافهة، ولا وزن لعباراتهم الطائشة، من قبيل: “مستراح منه”، ومواجهتهم بالحجّة والدّليل والواقع والتاريخ واجب كفائي وسعي مشكور، وعاقبتهم –ولا شكّ- ستكون قارعة الطّريق.
لكنّنا لو انتقلنا إلى السّاحة اللبنانية، فإنّ الأمر سيختلف، ودائرة الاختلاف لا بدّ أن تتّسع، لأنّنا سنجد أنفسنا أمام بلد يفترض أنّه مسلم، لكنّ العلمانية المتواطئة مع الاستعمار جعلت منه ساحة للفنّ والطّرب وبلدا على هامش الواقع والأحداث، باستثناء جنوبه الذي افتكّه المشروع الإيرانيّ لصالحه، وغرس فيه “مقاومة” على المقاس، تضع على سلّم أولوياتها خدمة المشروع الإيرانيّ، ومن ثمّ مقارعة المشروع الصهيونيّ. والإنصاف يقتضي أن نشهد بأنّها ولغت بيدها الشمال في الدّم المسلم في سوريا، وقارعت بيمينها العدوّ الصهيونيّ المحتلّ في فلسطين ومدّت يد العون للمقاومة الفلسطينية، في وقت خذلها فيه العالم السنيّ!
ومن هنا نشأ الخلاف بين الأمّة في الموقف من المقاومة اللبنانية، بين من ينظر إلى مذهبها الطائفيّ الذي يستدعي ثارات التاريخ ويطلق يدها في دماء بعض المسلمين، ومن ينظر إلى يدها الممدودة إلى الفلسطينيين التي أزعجت الصهاينة المحتلين.. وهذا الخلاف لا شكّ في أنّه خلاف سائغ متى ما كان المختلفون متفقين على وجوب مقارعة المشروع الصهيونيّ وجعل منابذته على سلّم الأولويات، لكن عندما يدخل إلى ساحة الخلاف من يرى –ولو بلسان الحال- أنّ مقارعة “حزب الله” والبراءة منه مقدّمة على التصدّي لليهود الغاصبين، ويبني على ذلك أنّ أيّ مسلم يمدّ يده –ولو مضطرا- إلى حزب الله وإيران فهو بالضرورة مقرّ للبغي الإيرانيّ في أرض سوريا وراض بعقيدة الشيعة في الصحابة؛ فهذا ينبغي ألا يشكر سعيه، ولا يعتدّ بخلافه، لأنّ منطلقاته غير سليمة ونتيجة سعيه مزيد إثخان في الأمّة وانبطاح لأعدائها، بل إنّ توظيفه لبعض نصوص الشّرع في معركته قد يكون من تحريف الكلم عن مواضعه.. ومجابهته بالحجّة والدّليل –كما سبق- شرّ لا بدّ منه.
ما تعيشه الأمّة من تناحر داخليّ في وقت تستباح فيه أراضيها وحرماتها، ليس جديدا، فقد مرّ بها مثله في فترات مختلفة من تاريخها، لكنّ الفارق أنّ الكلمة الفصل في الفترات المتقدّمة كانت لرجال الأمّة الذين جمعوا بين العلم والحكمة والجهاد، على خلاف أيامنا هذه التي أثخنت فيها الأمّة بشقشقات مَن قلّ علمهم وبان فقرهم للحكمة والفهم السّديد للواقع.
في القرن السادس الهجريّ، مثلا، كانت الأمّة تواجه خطرا ماحقا من شمالها وشرقها وغربها؛ التتار يتهدّدون الأمّة من الشّرق، والصليبيون من الشّمال والغرب، وكانت الدولة العبيدية الشيعيّة قد أدمت خاصرة الأمّة وأنهكتها بحروبها الطائفية الداخلية.. ومع ذلك، عندما دالت الأيام على هذه الدولة الطائفية وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح لقمة سائغة للصليبيين، اضطرت إلى الاستعانة بالدولة الزنكية في الشّام..
لم يتردّد القائد المظفّر نور الدّين زنكي في إنجاد العبيديين لأنّ هناك عدوا مشتركا يتهدّد الأمّة بأكملها وينظر إلى العبيديين على أنّهم جزء من تلك الأمّة، وانطلق القائد صلاح الدّين الأيوبيّ إلى مصر بجنده ليحمي الدولة العبيدية من عدوان الصليبيين، وصار وزيرا للخليفة العبيديّ “العاضد لدين الله” وقاتل تحت سلطانه، مع أنّ هذا الملقّب بـ”العاضد لدين الله”، كما قال عنه الإمام الذهبي –رحمه الله- في “تاريخ الإسلام”: “كان رافضيا، سبابا، خبيثا”، ونقل عن ابن خلكان قوله عن العاضد: “كان إذا رأى سنيا استحل دمه” (!).. وعندما مرض هذا “العاضد” واستدعى صلاح الدين الأيوبي وأوصاه ببنيه، تعهد الأخير برعايتهم والإحسان إليهم، وحين أدركت الخليفة العبيديّ الوفاة سنة 567 هـ، “جلس السلطان [صلاح الدين] للعزاء، وأغرب في الحزن والبكاء، وبلغ الغاية في إجمال أمره؛ والتوديع له إلى قبره” (كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، لأبي شامة المقدسي: 2/ 125)!
القائد السنيّ المظفّر صلاح الدين الأيوبي، تعامل يومها مع العبيديين (وهم من الشيعة الغلاة)، وفق مكرهات الواقع والسياسة، لأن دولة الإسلام كانت تتهددها قوتان باغـيتان، هما: الصليبيون من الشمال والغرب والتتار من الشرق.. ونحن في زماننا هذا أحوج ما نكون لأن نتعامل مع الواقع بكثير من الحكمة والوعي وبمنطق صلاح الدّين الأيوبيّ، حتّى لا ننشب معارك في غير وقتها ونتّخذ مواقف تصبّ في مصلحة العلوّ الكبير الذي يتّجه إليه الصّهاينة!
ليس مطلوبا منّا أن نستهين بفعل من يبغض أصحاب نبيّنا –صلّى الله عليه وآله وسلّم- فضلا عمّن يسبّهم، وليس يصحّ لنا أن نرفع “حسن نصر الله” إلى مرتبة صلاح الدّين الأيوبيّ، فضلا عن أن نرفعه إلى مرتبة الحسين أو عليّ أو حمزة، لكنّ المطلوب منّا هو ألا يحملنا شنآن من شنأ على أن نجعل “حسن نصر الله” في منزلة “نتنياهو”، ويَفرض علينا أن نلعن روحه ونهاجم كلّ من يشكر له دعمه لأهل غزّة ويكِل أمره إلى الله.
لو بلغ بنا الشّطط إلى حدّ إخراج “حسن نصر الله” من دائرة المسلمين، فإنّ الصهاينة لن يخرجوه وسيظلّون ينظرون إليه على أنّه مسلم أزعج احتلالهم لأرض فلسطين.. وقتلُهم له لم يكن انتقاما لدماء السوريين، إنّما رغبة في تأمين المستوطنين في شمال الأرض المحتلّة، وقد قتل بقنابل أمريكية خارقة للتحصينات حصل عليها الكيان المحتلّ بعد السابع من أكتوبر 2023م ليستخدمها ضدّ أنفاق غزّة.. ولا شكّ أنّه كما استخدمها في لبنان، سيستخدمها في غزّة، وربّما في أماكن أخرى على طريق تحقيق حلم “إسرائيل الكبرى”! والله يتولّى الأمّة برحمته.

مقالات ذات صلة