الرأي

المطلوب “استنساخ” الدستور

قالوا عن الربيع العربي انه “مؤامرة على الشعوب العربية” واعتبروه “صناعة غربية”، ونسبوا الفضل فيه إلى الكتاب اليهود ذوي الأصول الجزائريين وحاولوا التقليل من شأنه وتشويه الأقطار التي مر بها بدءا من تونس ومصر واليمن ومرورا بليبيا وانتهاء بسوريا حتى لا يصل إلى بقية الأقطار العربية، وكأن ما حدث ليس تغييرا وإنما هو شكل من أشكال الاحتلال، وأن ما يحدث الآن في سوريا هو مجرد “حرب بالوكالة”؟ والحقيقة التي يتجاهلها أصحاب الفكر الضيق هي أن النظام العربي جثم على الوطن العربي أكثر من ستين سنة دون أن يتحرك لتجديد نفسه أو لإشراك الأغلبية التي يحكم باسمها في صناعة القرار، فما الحل؟

الجوهو هو التغيير؟

مهما اختلفت الآراء أو تضاربت الأفكار أو تناقضت المواقف من الربيع العربي، فإن ما تشترك فيه هو التغيير الذي هو سنة الحياة.

صحيح أن من حكموا بلداننا هم امتداد لرجالات الثورة مثلما هو الحال في الجزائر أو رجالات المقاومة مثلما هو الحال في تونس والمغرب، أو من رجال الانقلابات العسكرية مثلما هو الحال في سوريا وليبيا، ولكن لا احد يستطيع أن يتنكر لهم فأمثال جمال عبد الناصر والملك فيصل وهواري بومدين وصدام حسين والحبيب بورقيبة وغيرهم ممن رحلوا تركوا بصماتهم في الحياة السياسية العربية بالرغم من أنهم يشتركون في هم واحد وهو الزعامة، في عصر تحكمه الثنائية القطبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لغاية سقوط جدار برلين.

وصحيح أنهم من قادوا بلداننا بعد استرجاع السيادة من الاستعمار الفرنسي والايطالي أو الاستقلال عن الانتداب التركي والبريطاني والفرنسي، وإنهم من سيروا الدولة الوطنية فإن من خلفهم كان من جيلهم أو ممن ورثوه الحكم مما يجعلنا نحملهم مسؤولية ما أصاب الوطن العربي بعدهم، ولكن ليس صحيحا أنهم لا يمثلون شعوبهم وإنما الصحيح هو أن الشعب خدعته النخب السياسية والفكرية والثقافية، فلم يفكر في التغيير بنفسه وإنما فضل الانتظار والصمت حتى تحولت الأنظمة الملكية والجمهورية إلى نظام واحد أطلق عليه فيصل القاسم اسم “النظام الجملكي”، وعندئذ تحرك نحو التغيير فقام بثورة سلمية فاستغلتها فلول النظام والأحزاب وجنت ثمارها واستيقظت النخب من سباتها لتخويفه من نتائج ما قام به، لأن ما حدث سلميا كان صدمة للجميع.

الجزائر كانت بلد الثورة وقبلة الأحرار في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين وباتت مأوى الفساد والمفسدين في عهد من جاء بعده، ممن افتعلوا أحداثا سموها انتفاضة في 5 أكتوبر 1988م جاءت بتعددية شكلية أدت إلى “حرب بالوكالة” بين السلطة الفعلية والسلطة الوهمية دفع ثمنها الشعب وما يزال يدفع ثمنها لأن الثورة العربية التي انطلقت من دول الجوار كان يفترض أن تقودها الجزائر.

إن الربيع العربي يقدم مفهوما جديدا للثورة التي تعني التغيير وليس التحرير ويطرح تصورا جديدا في العلاقة بين السلطة والشعب، ففي مرحلة ما قبل كان الشعب في حاجة إلى السلطة أما ما بعد الثورة فان السلطة هي التي أصبحت في حاجة إلى الشعب للحصول على شرعية الحكم.

.

دستور لإنقاذ دستور

بين التقرير الأوروبي حول تشريعيات 10 ماي 2012م أن هناك تهميشا لمن قاطعوا الانتخابات الذين يمثلون جيل المستقبل وان أشار الأصوات الملغاة التي جسدت موقفا مدعما للمقاطعين، لكن يبقى السؤال ما الذي تغير في الجزائر غير اعتماد 24 حزبا جديدا كما ورد في التقرير.

خطأ من يراهن على التغيير عبر الصناديق هو انه لا يعرف أسرارها، فهي تختلف عما جرى في لجنة عبد القادر بن صالح التي امتصت غضب الجميع من أجل استمرار النظام الحالي مع إيهام الرأي العام بأن الدستور الجديد هو خلاصة جلسات حوار مع الشركاء السياسيين والمجتمع المدني ومن يوصفون بالشخصيات الوطنية ، بينما الحقيقة هي أن الدستور الذي سيحال على البرلمان بغرفتيه السفلى والعليا سيكون مستنسخا من الدستور الحالي ولعل هذا ما جعل أبو جرة سلطاني يدعو إلى تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد وهي فكرة جديرة بالتنويه لكنها تفترض وجود ثلاث لجان وطنية لإعداد ثلاثة دساتير يتم الاستقاء على أحدها، فالنظام الرئاسي على الطريقة الأمريكية يحتاج إلى دستور رئاسي والنظام على الطريقة الفرنسية يحتاج إلى دستور شبه رئاسي، والنظام على الطريقة الايطالية والاسبانية وحتى الإسرائيلية يحتاج إلى دستور برلماني، وإذا أردنا أن نزيد في خيارات الشعب لنظام الحكم فيفضل اقتراح دستور ملكي على الطريقة البريطانية يسمح بوجود ملك أو ملكة دون حكم.

مقالات ذات صلة