المعارضات العربية وثورات القرود
من المؤكد أن ما سمي بثورات الربيع العربي قد فشلت في تحقيق أهدافها التضليلية المعلنة ولكنها تحقق أهدافها السرية الحقيقية وتمكنت خلال السنوات من 2011 ـ 2014 من سحق المواطن والوطن العربي سحقا لم يقم بمثله لا المغول ولا الأتراك ولا الأوروبيون، حيث أن الوطن العربي في هذه اللحظة يعتبر في النفس الأخير اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ودينيا وإداريا، بعد أن تمكنت من سمت نفسها بـ”المعارضات” بالتحالف مع الأنظمة التي تدعي أنها تعارضها من ركوب الحراك الاجتماعي الذي بدأه الشعب في تونس بعد أن أحرق الشاب الجامعي بائع الخضار محمد البوعزيزي نفسه بعد أن صفعته شرطية. وكانت النتائج أنه لم تعد في الوطن العربي دولة ولا دين ولا ثقافة ولا سياسة ولا اقتصاد، فحتى النفط ثروة العرب الأساسية صار يباع في أسواق “الهال”.
ربما سأل قارئ نفسه: لماذا وكيف تتحالف المعارضات مع الأنظمة ضد الوطن والمواطن، هل يُعقل ذلك؟
وأقول ـ ربما لا أجيب ـ أن علتنا في الوطن العربي – وخصوصا في الجزائر _ ليس لدينا ثقافة سياسية محلية أو دولية ولا تغرنكم كتابات سهيل الخالدي وسائر المعلقين الصحفيين من جامعي المعلومات والبعيدين عن الحدث، فهي تعليق على “ماصدقات بلامفاهيم” كما يقول المناطقة، فضاع الطاس كما يقول بسطاء الجزائريين.
هل قال أحدكم: مالك تقفز من السياسة إلى المنطق إلى الفلسفة كما يقفز قرود جبل الشريعة والشفة في البليدة؟
نعم أنا أفعل الآن فعل القرد إن لم أكن أنا هو القرد بالذات والصفات مادمت مواطنا عربيا يعيش أسوأ أيام العرب بكل إثنياتهم وكل دياناتهم وكل طوائفهم وكل دولهم.
وتوصيف العرب بالقرود ليس من وضعي، وحركة القردة الجارية الآن على يد “داعش” وغيرها من المعارضات، ليست من اختراعي. كيف؟
ألم أقل إننا ليس لدينا ثقافة سياسية، فمنذ سنين أصدر الباحث الأمريكي جين شارب كتابا بعنوان “الكفاح اللاعنفي” ترجمه ثلاثة من كبار المثقفين المعارضين العرب لا يخلون من تهمة التعامل مع أمريكا، ووضع جين شارب الطريقة العملية لما قاله قبله صمويل هنتغتون في كتابه “صدام الحضارات” من ضرورة وضع حدّ لأي تحالف ممكن بين العرب والمسلمين من جهة والحضارات الشرقية من جهة ثانية بل ومابين هذه الحضارات مجتمعة وأوروبا حماية لأمريكا وحضارتها ومساعدتها لتجاوز أزماتها الرأسمالية الكبيرة والمقلِقة. أمريكا التي ليس لديها رسالة للبشر سوى أن تبيعهم منتجاتها ومخترعاتها العلمية دون أن تمنعهم من إنتاجها.
وقد شبه جين شارب المجتمعات العربية الإسلامية بالقرود ربما تأسيسا على تشبيهات التوراة لغير اليهود بأنهم من سلالة القردة والخنازير والأفاعي.
وفي برنامجه دعا شارب إلى أمرين:
1 ـ أن تقوم الولايات الأمريكية المتحدة باستبدال النظام العربي البيروقراطي الذي لم يعد صالحا لخدمتها.
2 ـ أن تثور هذه القرود ـ الشعوب العربية ـ على حكامها
أما كيف يتم ذلك فقد حدد جين شارب الطريقة بصناعة معارضات من الليبراليين وغير الليبراليين تتولى قيادة هذه الثورات.
أي أن جين شارب يريد مواصلة تقليب جنوبنا على الجمر فمن جمر جهنم النظام العربي البيروقراطي التافه إلى جمر صقر المعارضات الإمّعات التي لا عقيدة لها سوى السجود للدولار، كل ذلك من أجل أن تنتقل أمريكا من النعيم إلى الفردوس.
والمدهش أن هذه المعارضات التافهة ترى نفسها قادرة على خدعتنا كشعوب عربية بأنها غير متحالفة مع النظام البيروقراطي الذي نكرهه ونراه يلفظ أنفاسه الأخيرة على يد صانعيه وتريدنا أن نؤيدها لتكون بديله وتتحكم في رقابنا وإلا الفوضى.
لكن ما هي النتائج التي جنيناها في العراق وليبيا ومصر وغيرها.. هل هذه المعارضات ليبرالية وغير ليبرالية كانت أفضل من الأنظمة البيروقراطية التي انقلبت عليها أم أشد وبالا ونكالا على المواطن والوطن؟
صحيح جدا أن الحراك العربي الذي ابتدأ في تونس تم اغتياله على الفور وابتدأت إعادة شرقنة العرب وهاهم قبائل متناحرة كما كانوا عليه قبل معركة قرقر في حمص سنة2500 ق.م، لكن ليس من الواضح أن هذه المعارضات التي قبلت بأن تكون قائدة للقردة لها مستقبل عندهم أو عند أسيادها، بل قد يكون مصيرها أسوأ وأسرع من مصير النظام البيروقراطي.
نسيت أن أقول لكم إنه في مجتمع القرود يثور القردة على القائد ويقتسمون قطعانه في عملية دورية لاستمرار الصراع.