المقاومة دائمة مادام الاحتلال قائما
تتّجه الأنظار هذه الأيام، كما لو أن العالم استدار واستفاق أخيرا من عمل سحرة فرعون، وبدأت الألسنة والأعين والأمزجة تتغير باتجاه ما يحدث بعد 22 شهرا في غزة والضفة، لاسيما المجاعة القاتلة التي ينتهجها الكيان الصهيوني بإيقاع أوركسترالي أمريكي منسَّق.
العالم الأخرس الساكت عن الحق، يبدأ حديثه المحتشم أخيرا عن “المجاعة” في غزة، و”التجاوزات الإنسانية”، والانتقال من تكرار الأغنية المشروخة “حق الكيان في الدفاع عن النفس” إلى تسمية القط قطا كما يقول المثل الفرنسي.
غير أن كل التباكي ودموع التماسيح والتمثيل أمام ركح وشاشات الأشهاد والشهداء، لم تعد تنطلي على أحد منهم ومن بقية المتفرجين، بلا حول ولا قوة. الكل بات يعرف أن تغيير الأسطوانة وقلبها على الجهة الثانية، جاء لتكريس رغبة في تحقيق ما لم يتحقق من قبل: حل الدولتين على مقاس قانون الدول الراعية للاستكبار العالمي: غزة بلا سلاح ولا مقاومة ولا حماس بالذات، ضمن سياق لا يزال يعتبر حماس “تنظيما إرهابيا”، مع أنها حركة تحرر وطني ببرنامج سياسي وإيديولوجي معارض لأوسلو، وما تلا أوسلو.
التباكي اليوم على غزة وأطفالها ومجاعتها وكارثتها الإنسانة والبيئية التي لم يسبق لها مثيلٌ في العالم المعاصر و”المتحضِّر”، لا يشفع لأحد منهم انخراطه الأعمى في مساندة القاتل على المقتول، وتقديم “طوفان الأقصى” على أنه “انتهاك وإجرام في حق المدنيين ومقتلة لا تُغتفر” في حق كيان مغتصِب منذ أكثر من 70 سنة، واعتبار ذلك منافيا للأعراف الانسانية والدولية، وكأن الأعراف الدولية والقوانين العالمية تحمي المستعمِر وتساند المحتل، وكأنَّ أيضا تاريخ الصراع بدأ في 7 أكتوبر 2023، لا قبل ذلك.
العالم يتناسى أنه هو من صنع هذا الكيان السرطاني وغرسه في قلب المجتمع العربي الإسلامي، وهو من وهب “أرضا بلا شعب، لشعب بلا أرض”، رافضا وجود شعب ووطن اسمه فلسطين. التباكي المسرحي والأعمى اليوم بعد خراب غزة والإنسان والشجر والحجر، هو مثالٌ عن النفاق العالمي الذي يقتل القتيل ويبكي ويمشي في جنازته، وهو مثالٌ على تعدُّد المكاييل في التعامل مع القضايا العربية الإسلامية أساسا. كل هذا الإرث الفكري والذهني والمزاج السياسي، هو ميراث تاريخ استعماري سابق، متغلغل في عمق الثقافة الغربية عموما، والتي بنت مجدها على أنقاض الشعوب المستعمَرة وجثثها وأشلائها وخيراتها، من القديم إلى ما بعد “سايكس بيكو” و”وعد بلفور”، إلى “جهنم” ترمب.
ترمب، الذي ينفخ هذه الأيام الساخن والبارد: ينفي ابتداءً المجاعة في غزة والتقتيل والإبادة، ثم بعد 48 ساعة، يتحدَّث عن احتمال ذلك، ثم بعد 24 ساعة يؤكد وجود ما يشبه مجاعة أو مجاعة، ويتلاعب بالمفردات وموازين العبارات، حتى لا يُغضب الربيب الحليف المغتصِب المجرم.
فرنسا وبريطانيا وعواصم غربية أخرى، كانت بالأمس تتحدّث عن “حق” الكيان المحتل في “الدفاع عن النفس” والانتقام من “عدوان حماس الاجرامي في 7 أكتوبر”، واليوم، تغيّر لهجتها من دون اعتذار ولا مبرِّر لترطيب العبارات والمواقف، وتطالب بحل الدولتين، على مقاس محدد يشبه نصف حل لحلّ مجتزأ منسوف القواعد.
حماس والمقاومة من جهتها، ما زالت قائمة وتتحكم في أوراق الأسرى وتدير المعركة بعزيمة غير مسبوقة وقوة مبهرة للعدو والصديق والعميل معا، أجبرت “عربات جدعون” على التوقف نهائيا في انتظار التراجع وقبول مشروع “صفقة” حل وسط، يضمن استمرارية الحل الوطني الجامع والتفاهم الداخلي المنسق على تسيير المراحل القادمة، من دون أن يعني ذلك تسليم المقاومة لسلاحها، ما دام الاحتلال قائما.