الرأي

“الملكية الرئاسية” تهيمن على نظام الحكم في فرنسا !

    في تاريخ الفكر السياسي الحديث، لا توجد مفارقة تختزل طبيعة السلطة وتناقضات النخبة السياسية بقدر تلك التي يفرزها نظام الحكم في ظل الجمهورية الفرنسية الخامسة؛ إذ يتبدّل السلوك السياسي للزعماء جذريًّا بمجرد عبورهم عتبة قصر الإليزي. ويزخر التاريخ السياسي الفرنسي بالشواهد التي تؤكد أن أشرس خصوم “الملكية الرئاسية”، التي أسسها الجنرال شارل ديغول بعد عودته إلى الحكم في ماي 1958، إذ أسس دستور الجمهورية الخامسة على مقاسه، ودمج بين الملكية والجمهورية، أو ما عرف بعد ذلك بالملكية الجمهورية. قلت غالبًا ما يتحول سلوك هؤلاء الزعماء السياسيين، بقدرة قادر، إلى أشد حماتها والمدافعين عنها فور وصولهم إلى سدة القرار. ولعل أبرزها قصة الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتيران تظل النموذج الأسطوري والأكثر فجاجة لهذا الانفصام البنيوي بين شعارات المعارضة المشتعلة وواقع السلطة المغري.

 ميتيران: حارس القصر

في ستينيات القرن الماضي، لم يكن أحد يضاهي فرانسوا ميتيران في حدة نقده وشراسة هجومه على دستور عام 1958 الذي هندسه الجنرال شارل ديغول على مقاسه الخاص. رأى ميتيران في ذلك الدستور -الذي وُلِد أساسًا من رحم أزمة حرب الجزائر والانقلاب العسكري- تقويضًا سافرًا للديمقراطية البرلمانية، وإحياءً لتقاليد الحكم الفردي المطلق تحت غطاء جمهوري زائف. وفي خطوة وثّقت هذا الموقف الصارم وأصبحت مرجعًا في الفكر السياسي، أصدر ميتيران عام 1964 كتابه الشهير “الانقلاب الدائم”، سدّد فيه طعنات فكرية وقانونية قاسية للجمهورية الخامسة، معتبرًا إياها خطرًا داهمًا على الحريات العامة، ومؤسسةً صُمّمت بدقة لتهميش ممثلي الشعب البرلمان، ولتركيز مقاليد الدولة بيد “حاكم مطلق” يحكم بمنأى عن أي محاسبة حقيقية.

ظلت هذه الأطروحات بوصلة اليسار الفرنسي طيلة عقود، وعقد آلاف الفرنسيين وأنصار التغيير آمالهم على ميتيران، لكي يفي بوعوده التاريخية بإلغاء هذا الدستور “الملكي” وإرساء نظام برلماني عادل فور وصوله إلى السلطة. وفي عام 1981، تحقق الحلم التاريخي بفوز ميتيران بالرئاسة، بوصفه أول رئيس يساري في عهد الجمهورية الخامسة، فاتجهت الأنظار ترقّبًا نحو الخطوة الكبرى المنتظرة: تفكيك إرث الجنرال ديغول الدستوري. غير أن المفاجأة الصادمة لم تستغرق وقتًا طويلًا لتتجلى؛ فما إن استقر ميتيران في قصر الإليزي، ولامست يده أزرار السلطة المطلقة، حتى تبخّرت أدبيات كتابه ومقالات معارضته الحماسية.

اكتشف ميتيران، ببراغماتية سياسية مذهلة، أن الصلاحيات “الفرعونية” التي يمنحها دستور 1958 للرئيس، من قيادة مطلقة للجيش، إلى التحكم في السياسة الخارجية، إلى إمكانية تجاوز البرلمان أو شلّ حركته.. هي أداة لا تُقدَّر بثمن بالنسبة لمن يحكم، فلم يعد الدستور في نظره “انقلابًا دائمًا”، بل غدا “درعًا واقيًّا” ومظلة مريحة تضمن الاستقرار الفوقي، وتُلغي عناء التوافقات البرلمانية المرهِقة. وحين وُوجه لاحقًا بالسؤال الفاضح عن سبب تنكّره لكتابه الشهير ونقده السابق للدستور؟ جاء رده كاشفًا لجوهر الأزمة: «كانت المؤسسات والدستور خطرًا قبل أن نصل إليها.. أما وقد صرنا نحن من يديرها، فقد أصبحت صالحة!».

هكذا أثبتت تجربة ميتيران أن المشكلة في بنية النظام الفرنسي لا تتعلق بتمايز الأيديولوجيات بين يمين ويسار، بل تكمن في سحر “الجمهورية الملكية” ذاتها؛ نظامٌ يغري كل سياسي بانتقاده وهو في العراء، فإذا ما استظل بظله وذاق حلاوة جبروته، تحوّل إلى حارس أمين لمكتسباته. وفي ذلك تأكيدٌ بيّن للطروحات النقدية المعاصرة التي تقرّ بأن إصلاح فرنسا الحقيقي لن يتحقق إلا بكسر هذا القالب الدستوري الموروث من حقبة الأزمات الاستعمارية.

ولم تكن تجربة فرانسوا ميتيران استثناءً عابرًا في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، بل كانت   -كما أثبتت الأحداث اللاحقة- افتتاحية لقاعدة سياسية صارمة، تكررت مع كل رئيس جاء بعده دون استثناء، فمنذ مغادرة ميتيران قصر الإليزي عام 1995، تعاقب على فرنسا أربعة رؤساء من تيارات وخلفيات مختلفة: جاك شيراك اليميني المخضرم، ونيكولا ساركوزي اليميني الشعبوي النشيط، وفرانسوا هولاند الاشتراكي الذي وعد بـ”الرئاسة العادية”، وإيمانويل ماكرون الوسطي الذي قدّم نفسه بوصفه قطيعة مع الطبقة السياسية التقليدية. وبين هؤلاء الأربعة اختلافات إيديولوجية وشخصية عميقة، لكنهم التقوا جميعًا -بصرف النظر عن نياتهم المعلنة- عند نقطة واحدة جوهرية: لم يجرؤ أحد منهم على تفكيك “الملكية الرئاسية” التي أسّسها شارل ديغول، بل اكتفى كل واحد منهم بترميم واجهتها أو تلميع بعض زواياها، تاركًا الهيكل المركزي للسلطة المطلقة كما هو، بل ومحصّنًا إياه أحيانًا بأدوات جديدة.

شيراك: تعديلٌ شكلي في عمق النظام الرئاسي

خَلَف جاك شيراك فرانسوا ميتيران عام 1995، بعد أن قضى الأخير أربعة عشر سنة كاملة في الإليزي دون أن يمسّ الدستور الذي هاجمه بضراوة قبل توليه السلطة. وكان من المنتظر أن يأتي شيراك، بخلفيته الديغولية الصريحة، أكثر تصالحًا مع إرث الجنرال، وهو ما تحقق فعلًا؛ إذ لم يطرح شيراك في برنامجه أي مشروع لتفكيك “الملكية الرئاسية”، بل عمل على تكريسها عمليًّا.

التعديل الدستوري الوحيد ذو الأهمية الذي ارتبط باسمه جاء عام 2000، حين وافق شيراك

-بالتزامن مع رئيس وزرائه الاشتراكي ليونيل جوسبان في ظل التعايش السياسي- على تنظيم استفتاء لتقليص مدة الولاية الرئاسية من سبع سنوات إلى خمس. مُرِّر الاستفتاء بأغلبية ساحقة بلغت 73% من المصوّتين، لكن بنسبة امتناع قياسية تجاوزت 69%، مما يكشف عن لا مبالاة شعبية عميقة تجاه الشأن الدستوري في حد ذاته.

والمفارقة أن هذا التعديل، الذي قُدِّم للرأي العامّ بوصفه “تحديثًا للديمقراطية”، لم يُضعِف السلطة الرئاسية بقدر ما عزّزها من الناحية العملية؛ إذ أدى تقارب مدة ولاية الرئيس مع مدة ولاية البرلمان (خمس سنوات لكليهما)، مقترنًا بتنظيم الانتخابات التشريعية بعد الانتخابات الرئاسية مباشرة، إلى ضمان حصول الرئيس المنتخَب حديثًا على أغلبية برلمانية داعمة له في الغالب، وهو ما قلّص إلى حد كبير من احتمالات التعايش السياسي الذي كان يمثل، منذ تجربتي ميتيران مع شيراك (1986-1988) ثم مع بالادور (1993-1995)، الكابح الوحيد الفعلي لجموح السلطة الرئاسية. لقد أصلح شيراك آلية توقيت الانتخابات لا بنية السلطة، فحصّن “الملكية الرئاسية” من أخطر تهديد كان يواجهها، بدل أن يقيّدها.

لم يطرح شيراك، طوال ولايتيه (1995-2007)، أي مبادرة جدية لإعادة التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية، ولا لتعزيز استقلالية القضاء عن الإليزي، رغم أن اسمه نفسه ارتبط لاحقًا بملفات فساد قضائية أعادت إلى الواجهة سؤال الحصانة الرئاسية المطلقة التي يكفلها الدستور خلال مدة الولاية.

ساركوزي: إصلاحاتٌ تقنية

جاء نيكولا ساركوزي إلى الإليزي عام 2007 بخطاب القطيعة مع “الرئاسة الهادئة”، ووعد بفرنسا أكثر حيوية وانفتاحًا. وفي عام 2008، مرّر أوسع تعديل دستوري تعرفه الجمهورية الخامسة منذ استفتاء 1962 حول الانتخاب المباشر للرئيس؛ تعديل مسّ نحو نصف مواد الدستور شكليًّا، لكنه ترك جوهر “الملكية الرئاسية” سليمًا. من أبرز بنوده: تحديد الولاية الرئاسية بولايتين متتاليتين كحد أقصى، ومنح البرلمان بعض الصلاحيات الرمزية كتقاسم جزء من جدول أعماله مع الحكومة، وإحداث آلية “المسألة الأولوية للدستورية” (QPC) التي تتيح للمواطنين الطعن في دستورية قانون نافذ أمام المجلس الدستوري.

غير أن هذه التعديلات، رغم أهميتها التقنية، لم تمسّ الصلاحيات “الفرعونية” الحقيقية للرئيس: حق حل الجمعية الوطنية، والقيادة المطلقة للجيش، والملف النووي، والتحكم شبه الكلي في السياسة الخارجية، وإمكانية اللجوء إلى المادة 49.3 لتمرير القوانين دون تصويت البرلمان، وسلطة تعيين كبار موظفي الدولة. بل إن الممارسة الفعلية لساركوزي زادت الطين بلة؛ فقد لُقّب إعلاميًّا بـ”الرئيس فوق-النشط” (Le Président hyperactif) بسبب تدخله المباشر في كل تفاصيل الحكم، متجاوزًا حتى الدور التقليدي لرئيس الوزراء فرانسوا فيون، إلى درجة أن كثيرًا من المعلقين اعتبروا أن ساركوزي لم يُصلح “الملكية الرئاسية”، بل مارسها بأقصى تجلياتها الشخصية.

هولاند: القمع بالمادة 49.3

قدّم فرانسوا هولاند نفسه عام 2012 نقيضًا مباشرًا لساركوزي؛ رئيسًا “عاديًّا” متواضعًا، بعيدًا عن أبّهة القصر وصخب التدخل الشخصي. وقد لاقى هذا الخطاب صدى واسعًا لدى فرنسيين أنهكهم النمط الساركوزي، كما أن بعض القيادات داخل الحزب الاشتراكي كانت لا تزال تحمل، من إرث ميتيران المبكر نفسه، حلم الانتقال نحو “جمهورية سادسة” أكثر برلمانية وتوازنًا.

لكن هذا الحلم لم يتجاوز حدود الخطاب الحزبي الداخلي؛ فلم يطرح هولاند خلال ولايته الوحيدة (2012-2017) أي مشروع جدي لتعديل دستوري يعيد التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. بل على العكس، لجأت حكومته -في أوج أزمة قانون العمل المثير للجدل المعروف بـ”قانون الخُمري” (Loi El Khomri) عام 2016- إلى تفعيل المادة 49.3 لتمرير القانون دون تصويت نواب الجمعية الوطنية، في مشهد أثار موجة احتجاجات واسعة عُرفت بحركة “الليل واقفون” (Nuit Debout)، واعتُبرت تجسيدًا صارخًا لتناقض هولاند بين خطابه التواضعي ما قبل الرئاسة، وممارسته الفعلية للسلطة المطلقة بمجرد وصوله إليها.

والأخطر من ذلك، أن هولاند وسّع من الناحية العملية صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب الحريات العامة، حين مدّد حالة الطوارئ مرارًا بعد هجمات 2015 الإرهابية، ثم أدرج لاحقًا جزءًا من أدواتها ضمن القانون العادي عبر تشريع 2017، في خطوة اعتبرها كثيرٌ من الحقوقيين تكريسًا دائمًا لصلاحيات استثنائية كانت يُفترض أن تبقى مؤقتة. هكذا، بدل أن يفتح هولاند الباب أمام جمهورية سادسة أكثر توازنًا، غادر الإليزي وقد ترك للرئيس القادم إرثًا من الأدوات القسرية أوسع مما ورثه هو نفسه.

ماكرون: وعد بالإصلاح ثم حكم بالمرسوم

جاء إيمانويل ماكرون عام 2017 بخطاب أكثر جذرية من سابقيه؛ فقد قدّم نفسه بوصفه القطيعة الكاملة مع منظومة اليمين واليسار التقليديين، ووعد ببرنامج لتحديث الحياة السياسية يتضمن تقليص عدد النواب، وإدخال جرعة من التمثيل النسبي في الانتخابات التشريعية، وتقييد الجمع بين أكثر من ولاية انتخابية. غير أن مشروع الإصلاح الدستوري الذي طرحته حكومته عام 2018 اصطدم بأزمة “السترات الصفراء” (Gilets Jaunes) التي اندلعت أواخر تلك السنة، فجُمِّد المشروع إلى أجل غير مسمى، ولم يُستأنف قط.

والمفارقة أن ماكرون، الذي وُصف منذ الأشهر الأولى لولايته بـ”الرئيس جوبيتر” (Le Président Jupitérien) في إشارة إلى نمط حكمه الأولمبي المتعالي عن التفاصيل الحزبية والبرلمانية، لجأ إلى المادة 49.3 بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الخامسة؛ إذ استخدمتها حكومة إليزابيث بورن أكثر من عشر مرات خلال أشهر معدودة عام 2023 وحده لتمرير الإصلاح المثير للجدل لسن التقاعد، رافعةً تعطيل النقاش البرلماني إلى مستوى غير مسبوق منذ عهد ميشيل روكار في التسعينيات. وقد فجّر ذلك موجة احتجاجات ونقابية واسعة، واتهامات صريحة بأن ماكرون يحكم فرنسا بالمرسوم لا بالتوافق.

ثم جاء حل الجمعية الوطنية المفاجئ في جوان 2024 -بعد خسارة معسكره الانتخابات الأوروبية- ليكشف من جديد الطابع الأحادي لصناعة القرار في قصر الإليزي؛ قرار مصيري اتخذه الرئيس بمفرده تقريبًا، من دون تشاور حقيقي مع حلفائه أو حتى مستشاريه المقربين بحسب تسريبات عديدة، مستندًا إلى صلاحية دستورية فردية صرفة يكفلها له دستور 1958. وهكذا، فإن الرئيس الذي وعد بإصلاح الحياة السياسية الفرنسية من جذورها، انتهى -كسابقيه جميعًا- إلى توظيف الترسانة الكاملة لصلاحيات “الملكية الرئاسية” دون منازع، بل وأضاف إليها في الممارسة أبعادًا شخصية جديدة.

في خطوة وثّقت هذا الموقف الصارم وأصبحت مرجعًا في الفكر السياسي، أصدر ميتيران عام 1964 كتابه الشهير “الانقلاب الدائم”، سدّد فيه طعنات فكرية وقانونية قاسية للجمهورية الخامسة، معتبرًا إياها خطرًا داهمًا على الحريات العامة، ومؤسسةً صُمّمت بدقة لتهميش ممثلي الشعب البرلمان، ولتركيز مقاليد الدولة بيد “حاكم مطلق” يحكم بمنأى عن أي محاسبة حقيقية.

اكتشف ميتيران، ببراغماتية سياسية مذهلة، أن الصلاحيات “الفرعونية” التي يمنحها دستور 1958 للرئيس، من قيادة مطلقة للجيش، إلى التحكم في السياسة الخارجية، إلى إمكانية تجاوز البرلمان أو شلّ حركته.. هي أداة لا تُقدَّر بثمن بالنسبة لمن يحكم، فلم يعد الدستور في نظره “انقلابًا دائمًا”، بل غدا “درعًا واقيًّا” ومظلة مريحة تضمن الاستقرار الفوقي، وتُلغي عناء التوافقات البرلمانية المرهِقة.

منذ مغادرة ميتيران قصر الإليزي عام 1995، تعاقب على فرنسا أربعة رؤساء من تيارات وخلفيات مختلفة: جاك شيراك اليميني المخضرم، ونيكولا ساركوزي اليميني الشعبوي النشيط، وفرانسوا هولاند الاشتراكي الذي وعد بـ”الرئاسة العادية”، وإيمانويل ماكرون الوسطي الذي قدّم نفسه بوصفه قطيعة مع الطبقة السياسية التقليدية. وبين هؤلاء الأربعة اختلافات إيديولوجية وشخصية عميقة، لكنهم التقوا جميعًا -بصرف النظر عن نياتهم المعلنة- عند نقطة واحدة جوهرية: لم يجرؤ أحد منهم على تفكيك “الملكية الرئاسية” التي أسّسها ديغول.

لجأ ماكرون إلى المادة 49.3 بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الخامسة؛ إذ استخدمتها حكومة إليزابيث بورن أكثر من عشر مرات خلال أشهر معدودة عام 2023 وحده لتمرير الإصلاح المثير للجدل لسن التقاعد، رافعةً تعطيل النقاش البرلماني إلى مستوى غير مسبوق منذ عهد ميشيل روكار في التسعينيات. وقد فجّر ذلك موجة احتجاجات ونقابية واسعة، واتهامات صريحة بأن ماكرون يحكم فرنسا بالمرسوم لا بالتوافق.

مقالات ذات صلة