اقرأ باسم ربّك
في بداية هذا الأسبوع؛ سيكون الأبناء، ومعهم المعلّمون والأساتذة والأمّهات والآباء، على موعد جديد مع دخول مدرسيّ جديد، نتمنّاه جديدا فعلا وواقعا.. ولعلنا مهما اختلفنا فإننا جميعا نتفق على أنّ منظومتنا التربوية بحاجة ماسّة إلى إصلاح وتجديد.. بحاجة إلى تطوير أكثر للبرامج وتكوين أكثف وأجود للمعلّمين والأساتذة، وإعادة نظر في ترتيب الموادّ التعليمية حسب أهميتها ليس فقط في تكوين عقل الطالب ورصيده المعرفي، ولكن قبل ذلك في تكوين هويته وتوجيه نظرته للحياة.. ونحن بسبب إغفال هذه الركيزة الأساسية صرنا نفجع في واقعنا بكثير بطلبة يتمّون مسارهم الدّراسيّ، ولا نرى في تصرفاتهم واختياراتهم ولا نلمس من حديثهم وهمومهم أنّ التعليم قد أكسبهم وعيا بالحياة، ورتّب لهم أولوياتهم، بل ولا نرى التعليم صقل أخلاقهم وأذواقهم!
معلوم أنّ التعليم يأخذ من أبنائنا أهمّ فترة في حياتهم تتكون فيها عقولهم وترسم فيها هويتهم وتحدد أولوياتهم، لكنّنا على كل المستويات، لا نعطي هذا الحقيقة الخطرة ما تستحقه من الاهتمام.. أبناؤنا خلال مسارهم الدراسي، من الابتدائي إلى الثانوي، يكونون كالعجينة، والمنظومة التربوية هي المخوّلة بأن تصنعهم على منوال يجعلهم صالحين مصلحين أصحاب همم عالية وهموم تتعالى عن الأهداف الصغيرة التي تقف عند مجرد الحصول على الوظائف والمناصب!
إنّه لواقع مؤسف حقا أن يقضي التلميذ 17 سنة أو أكثر، من الابتدائي إلى الجامعة وهو يكره الدراسة ويتأفف منها كلّ صباح، ولا همّ له إلا أن ينتقل من سنة إلى أخرى، ليظفر في النهاية بشهادة جامعية يجد بها وظيفة. أين الدّين؟ أين الهوية؟ أين نية تكوين العقل وفهم الحياة والنّظر في الكون وفهم شيء من أسراره؟ أين نية خدمة الدّين والأمّة؟
جميعنا يفخر بأنّ ديننا هو دين العلم، وبأنّ أوّل آية نزلت على نبيّنا الخاتم محمّد –صلّى الله عليه وسلّم- هي “اقرأ”، لكنّنا ربّما لا ننتبه إلى أنّ الآية لم تتوقّف عند قول الله تعالى: ((اقرأ))، ولم يقل الله العليم الخبير: “اقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم” فقط، إنّما قال: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)).. وهذه الآيات دستور عظيم في علاقة التعليم بالدّين والهوية والوجهة.. التعليم في حياة العبد المسلم ينبغي أن يكون باسم الله، أي بذكره سبحانه وقصده، ويكون الدين حاضرا ومهيمنا على مساره، وتكون الغاية الأسمى والأهمّ منه بكلّ موادّه وتخصّصاته لا تقف عند حدّ معرفة الكون وكيف يسير والقوانين التي تحكمه ولا معرفة الجسد البشريّ تكوينه وآلية عمله والأعطاب التي تطرأ عليه وكيف تعالج، نعم هذه كلّها مهمّة والله يقول: ((قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ))، ويقول –عزّ وجلّ-: ((وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون)). لكنّ المسلم لا يتوقف عند هذا الحدّ، إنّما ينبغي أن يعرف مِن وراء كلّ ذلك عظمة الخالق ويعرف صفاته، فيزداد يقينا بقدرته وعلمه وحكمته ولطفه، ويزداد حبا له ورجاءً للقائه.
منظومتنا التربوية في أمسّ الحاجة لأن تؤسّس على هذا المبدأ؛ أن تكون البداية من الله ويكون الله هو الوجهة والغاية، فإن لم تعدّل البرامج لتنبني على هذه الحقيقة، فينبغي لإخواننا الأساتذة الأفاضل أن يجعلوها ضمن أولوياتهم؛ أن يربّوا تلاميذ وطلبة يقرؤون ويتعلّمون باسم الله ولأجله، نيتهم ليست الدّنيا وحدها، إنّما نيتهم أن يعرفوا خالقهم ويكونوا أقرب إليه وأعبد وأخشى له، فهو سبحانه يقول: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ))، وبئس التعليم تعليم لا يربط المتعلّم بالخالق ولا يجعله أقرب منه وأحبّ له وأكثر اهتماما بما يحبّ!
أبناؤنا ينبغي أن يتعلّموا كيف يخلصون تعليمهم لله. لا ينبغي أبدا أن نغرس فيهم أنّ الدراسة هي فقط لأجل شهادة يجدون بها وظيفة. يجب أن يتعلّموا أنّهم يستيقظون كلّ يوم في الصباح الباكر ويجلسون في مقاعد الدراسة ساعات طويلة كلّ يوم، على مدار أشهر عدّة، لأجل أن يزدادوا علما وفهما لخلق الله، فيعرفوا خالقهم ويحبّوه، ويزدادوا يقينا بدينهم وعقيدتهم، كما قال –سبحانه-: ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ)). أبناؤنا يجب أن يحفظوا حديث النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “من تعلَّم علمًا مما يبتغى به وجهَ اللهِ تعالى، لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عرضًا من الدنيا لم يجِدْ عَرْفَ الجنةِ يومَ القيامةِ، يعني ريحَها”.. يجوز للمسلم أن يدرس ويتعلّم ليقيم دنياه ويستغني عن النّاس. لكن لا ينبغي أن تكون هذه هي النية الأولى والأخيرة، النية الأولى ينبغي أن تكون معرفة الله.
طالب العلم عندما يكون غرضه أن يفهم الخلق فيعرف الخالق ويحبّه، فإنّه لا شكّ سيكون أكثر اهتماما بحقّ خالقه عليه بأن يعبده –سبحانه- كما أمر؛ فيتعلّم ما يجب عليه تعلّمه من أمور دينه.. مهما كان تخصّصه ومهما كان ميله، فإنّه يهتمّ بتعلّم الحدّ الأدنى من علوم الشّرع الذي يقيم به دينه وعلاقته بربّه.. فلا يجوز أبدا ولا يليق ولا يصحّ أن يتخرّج طالب في الجامعة، وهو لا يخصي فرائض الوضوء والغسل، ولا يحسن قراءة القرآن قراءة صحيحة، ولا يتقن ترقيع الصلاة وأحكام سجود السّهو.. لا يليق بطالبٍ أن يتخرّج طبيبا أو مهندسا أو أستاذا وهو لا يعلم كيف يؤمن بالله ولا كيف يؤمن بالغيب، ولا كيف يؤمن بالقضاء والقدر خير وشرّه.. وإنّه –والله- لمن المؤسف حقا ألا تهتمّ المنظومات التربوية في بلداننا العربية والإسلامية بهذا الأساس وتعطيه حقّه، وتجعله من الضروريات التي ترافق الطّالب في مساره الدراسيّ كلّه، من الابتدائيّ إلى الجامعة، وتعطيه المعامل اللائق به!
اليهود الصهاينة الذين يحتلّون أرضنا المقدّسة ويقتّلون إخواننا، يهتمّون بتعلّم الدّين وتكثيف تعليمه والاهتمام به في مدارسهم، ومع ذلك لا أحد يتّهمهم بالتطرّف! تشير التقارير الموثقة إلى أنّ “عدد ساعات تعليم الدين اليهودي في المدارس الابتدائية الصهيونية، يعادل 3 أضعاف ونصف الضعف معدل ساعات تعليم الدين في الدول الأعضاء في منظمة التعاون بين الدول المتطورة OECD… ساعات تعليم الدين في جهاز التعليم الصهيوني تستمر الى ما بعد مرحلة التعليم الإلزامي (الثانوية) أي إلى الجامعة”! بل وتشير التقارير إلى أنّه “لا توجد دولة تستثمر الكثير من الموارد في الدراسات الدينية بقدر ما يستثمر الكيان الصهيونيّ، ولا حتى الدول التي يعتبر دينها عنصرا أساسيا في ثقافتها”! فلماذا تصرّ المنظّمات الدولية المهتمّة برصد واقع التعليم في الدول على مراقبة التعليم في بلاد المسلمين وتضغط لأجل أن يكون التعليم فيها بعيدا عن الدّين، بحجّة محاصرة الغلوّ والتطرّف، ولا تضغط على الكيان الصهيونيّ لأجل أن يكفّ عن شحن أبنائه بالصهيونيّة التي تعلّمهم بُغض الآخرين والبطش بهم؟
للحديث بقية…