الممثل الراحل سيد علي فيرناندال.. من زوج عيون إلى نجم الكوميديا الجزائرية
من بين القامات الفنية التي صنعت مجد الفن الجزائري، الفنان القدير الراحل “سيد علي فيرناندال”، الذي جمع بين عبقرية الأداء الكوميدي وشرف النضال الثوري. الشروق العربي يحكي مسيرة ظاهرة فنية فريدة، خرجت من رحم المعاناة الشعبية، لتتربع على عرش المسرح الجزائري الهادف، مخلفا إرثاً إبداعياً لا يمحوه الزمن، وقصة كفاح ملهمة للأجيال…
سيد علي فيرنانديل، واسمه الحقيقي شعبان حوات، من مواليد مارس 1923، بحي زوج عيون العريق بأعالي قصبة الجزائر العاصمة، في أحضان عائلة متواضعة. ورغم أنه غادر مقاعد الدراسة في الصف الثاني، إلا أن موهبته الحقيقية تفجرت في أروقة الكشافة الإسلامية الجزائرية. لكن سيد علي فرنانديل واجه مقاومة شديدة من والديه، لدخول عالم الفن، لكن رغبته في أن يصبح فنانا كوميديا كانت أقوى؛ فاعتلى الخشبة لأول مرة في سن السابعة عشرة، لكن صعوده المسرح لم يأت صدفة بل كان وراءه صانع المواهب وعبقري المسرح الراحل رشيد قسنطيني. وهكذا، مشى الفتى الموهوب على خطى أبي المسرح الجزائري، محي الدين بشطارزي.
نبوغ فني لا مثيل له
تميز الراحل بروح فكاهة استثنائية وبساطة أداء جعلت الجماهير تستقبله وتفهمه، ومن ثم تتفاعل معه بقوة، حيث غدا وجهاً بارزاً في ليالي رمضان الزرقاء بقاعة الكتاني أواخر الستينيات. قدّم فرنانديل للمسرح الجزائري أعمالاً خالدة، مثل “الزواج الحديث” و”الديك الرباعي”، ولم يكتفِ بالتمثيل، بل كان يملك صوتا كوميديا رنانا، فقدم رائعته “يما، مرتي وأنا”، التي عالجت بقالب فكاهي العلاقة الثلاثية المعقدة بين الزوج والعروس والحماة… حسه الفكاهي وظفه في نشر الوعي بين المجتمع، من خلال أغان خفيفة وأناشيد هادفة، مثل “بالاك من الطريق” و”طلاق بلا زواج”، مكرساً فنه لخدمة الإنسان والوطن، مشاركاً في أعمال سينمائية بارزة، كفيلم “السحار”، رفقة الراحل محمد بوزيدي.
بعيدا عن سيد علي فيرناندال الكوميدي، ونجم المسرح، كان قلب الفنان ينبض بالجزائر، فمع اندلاع الثورة التحريرية المجيدة، لبّى نداء الواجب وانخرط في صفوف جبهة التحرير الوطني بالولاية الرابعة التاريخية. وفي عام 1956، ألقى المستعمر الفرنسي القبض عليه وتعرض لأشد أنواع التعذيب.
هروب هوليوودي
تجلت عبقرية سيد علي فيرناندال الفنية في أبهى صورها، بعد أن تمكن من الفرار من مركز التعذيب، متقمصا دور حارس ينقل صناديق القمامة. لجأ بعدها إلى أقاربه ثم شد الرحال نحو مدينة الجديدة، لينضم هناك إلى “الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني”.
بعد استقلال الجزائر، استقر سيد علي فيرناندال في حي سانت أوجين أو بولوغين، كان المكان مثاليا لابن “زنقة الكرمة”، المحب للحياة، والأكل، وصيد السمك. واصل الفنان عطاءه الفني كممثل محترف بهيئة الإذاعة والتلفزيون. وكان آخر عروضه بالجزائر في “مهرجان البرتقال” بمليانة.
الغربة القاسية
في أوائل السبعينيات، سافر الكوميديان العبقري إلى فرنسا. لكن الغربة كانت قاسية عليه، فقد تلقى صدمات نفسية قاسية، إثر المرض الشديد الذي ألمّ بابنتيه التوأم، ليدخل في أزمة صحية حادة، انتهت بغيبوبة سكري. وفي يوم الخميس 21 أكتوبر 1977، ببلدية مون فيرميل، وفي عمر ناهز 54 سنة، انطفأت شمعة سيد علي فرنانديل، ليعود جثمانه الطاهر إلى أرض الوطن الذي أحبه، ويدفن في مقبرة القطار بالعاصمة، تاركاً خلفه اسماً مكتوباً بماء الذهب في سجل الخالدين.