المهنة… سرّاق!
من أروع وأطرف ما سمعت، أن سيناتورات بمجلس الأمة أو كما يحلو للبعض تسميته بمجلس “الغمّة”، طالبوا بمحاسبة “كبار المختلسين”، أي أن هناك سراقا كبارا، وسراقا صغارا، مثلما هناك باندية صغارا وباندية كبارا، وسماسرة كبارا وسماسرة صغارا!
المشكل أن السرّاق الكبير، لم تلده أمه كبيرا، وإنـّما كان سراقا مبتدئا قبل أن يصبح محترفا وفنانا يخترع فنون النصب والاحتيال والسرقة وإدخال الأيدي والأرجل إلى بيت مال المسلمين من الجزائريين!
عندما يصل الحال إلى سرقة أموال الزكاة بالمساجد، ويتورط الداني والقاصي، في عمليات نهب ونصب، فليس المشكل إذن في من الكبير ومن الصغير، ومن يسبق: الأول أم الثاني، وإنـّما الإشكالية في هذه السرقة التي تحوّلت إلى مهنة مضمونة الدخل ووظيفة “محترمة” حتى وإن كانت غير مصرّح بها لدى شبابيك الضمان الاجتماعي وقباضات الضرائب!
عندما تصبح السرقة “حقّا وواجبا” في نظر كبار السرّاق وصغارهم، فمن المفيد لنا جميعا أن ندقّ ناقوس الخطر، لوقف تنافس الوزير والأمير والمدير والمير والغفير وسائق الحمير -وليس كلهم طبعا- تنافسهم على “البروفيتاج” من باب “أقرى للزمان عقوبة”!
لسنا بحاجة إلى فتاوى أو فلسفة وتنظير، بقدر ما نحن بحاجة ماسة إلى غسل العقول، وإحياء الأخلاق والضمائر المحنطة، حتى لا يتحول السرّاق إلى “بطل” يُضرب به المثل ويُصنـُف في خانة “الشاطرين” بدل أن يُدرج على لوائح المطاردين والمبحوث عنهم من طرف الأمن والعدالة!
لولا وجود سراق كبير، لما تمّ تفريخ سراقين صغار، ولولا وجود سرّاق صغير لما استمرّ السراق الكبير في سرقاته، ولما طوّرها وطوّر معها استثماراته المتأتية من عائدات السرقة التي لن تنفضح، إلا إذا تشاجر السرّاق فيظهر المال المسروق!
الخطير في الأمر، أن الكثير من الناس، أصبحوا يعتقدون بأن السرقة والنهب والاحتيال والتزوير والغش والتدليس وإبرام الصفقات المشبوهة، هو أقصر وأضمن طريق لتحقيق أحلام وردية تتحوّل في كثير من الحالات والنماذج إلى كوابيس مفزعة!
تعدّد وتجدّد السرقة، جعلها ترتقي إلى عمليات فساد، ولذلك أصبح السرّاق مفسدا وفاسدا يُفسد في الأرض، ويعمد إلى توسيع دائرة المتورطين والمتواطئين، حتى وإن تمّ إلقاء القبض عليه، جرّ معه السابق واللاحق ونقل الرعب إلى قلب اللاعق والسائق!
لا أعتقد، أن السيناتورات الذين طالبوا بمحاسبة كبار المختلسين، بإمكانهم فضح هؤلاء، وهذه واحدة من كريات الألماس التي توفـّر الحماية للسرّاق، تحت طائلة: دعه يسرق اتركه يحرق!