المهنة.. سرّاق!
سجن 8 موظفين ببلدية الجزائر الوسطى، بتهمة تلقـّي رشاوى تراوحت ما بين 100 و200 مليون، مقابل منح مساكن لأشخاص بطريقة غير قانونية ولا أخلاقية، ما هو في الحقيقة سوى جزء من كلّ، وما هو إلاّ عيّنة ونموذج للفساد الحاصل في البلديات والإدارات من طرف موظفين باعوا ضمائرهم وخانوا الأمانة، قربانا لمصالح شخصية شوّهت سمعة المؤسسات وضربت هيبة الدولة في الصميم!
الفضيحة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، طالما أن الطمع مازال يحبس الأنفاس ويحرّك الغرائز والشهوات ويبني القصور فوق السحب وعلى الرمال المتحركة، ولكم أن تعودوا إلى قضايا المنتخبين والموظفين والمسؤولين، على مستوى المحاكم وتحقيقات الأمن، لتكتشفوا لعنة الفساد التي تلاحقنا هنا وهناك وتـُفسد على الجزائريين أيامهم ولياليهم!
ترفسني جاموسة اسبانية، لو كان سجن هؤلاء “الباندية” الثمانية، سيُنهي المأساة، وسيُخيف الخارجين عن القانون ويُجبرهم على توقيف فضائحهم، لكن العملية سيكون لها دون شكّ الأثر الإيجابي في نقل الرعب إلى عصابات وشبكات “ما تخافش ربّي”، وقد حوّلت مناصبها المكيفة إلى وسيلة لجني غنائم بطريقة يُعاقب عليها القانون وتذمّها الأخلاق!
ألم نقل أنه من الأفيد لكلّ الجزائريين، إعادة فتح مقصلة الخروبة لإعدام المفسدين وصنـّاع الفساد؟.. وقد يكون هذا الخيار أقصر طريق وأضمنه، للقضاء تدريجيا على عقلية الفساد التي عششت في عقول العديد من كبار المسؤولين وصغار الموظفين، ممّن يعتقدون أن الرشوة والتشيبا والصفقات المشبوهة والتدليس والتزوير، تحوّلت إلى “شطارة” لملء “الشكارة”!
من المؤسف والمؤلم، أن يتحوّل النزهاء والأكفاء و”ولاد الفاملية”، إلى “جايحين” ومنبوذين، فيما أصبح “السرّاق” والمرتشون والبزانسية والمفسدون، “أبطالا” ونجوما يسوّقون احترافيتهم ومهنيتهم وإبداعهم في فنون النهب والنصب والكذب، والعجيب أن لهذا النوع من البشر، جمهورا واسعا من المقرّبين والحاشية والمصفقين والراقصين!
يكاد الواحد من العقلاء، يشنق نفسه بـ”سلك البوط”، عندما يرى بأعينه التي سيأكلها الدّود، المتورطين في الفضائح، يصولون ويجولون دون حسيب ولا رقيب، يشيّدون بناياتهم ويملأون أرصدتهم، وينفخون بطونهم، وكأنهم رجال مال وأعمال بالفطرة، لكن كلّ القرائن تؤكد أنهم مفسدون أعاثوا في الأرض فسادا!
نعم، إن محاربة الفساد لن تنجح بـ”الهدرة” والكلام المعسول، وفي كلّ الحالات، لا يُمكن للمصالح الأمنية والقضائية، أن تنج بمفردها في هذه الحرب الحاسمة، ما لم تتحوّل المهمة إلى جماعية، يُشارك فيها الجميع لقطع دابر المفسدين، وفضحهم، والتبليغ عنهم، ولو بالرسائل والشكاوى السرية والمجهولة، وذلك أضعف الإيمان!
إن عقلية “تخطي راسي” هي التي أنهكت البلاد والعباد، وعملت على تسمين المفسدين، وهي التي طوّلت عُمر الفساد وفرّخت فروعا له، وبالتالي فإن لعب دور “شاهد ما شافش حاجة”، أو “شاهد الزور”، هو الذي يحمي المفسدين ويقوّي شوكتهم وينمّي علاقاتهم الأخطبوطية التي لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال، قطع عنقها وأيديها!
الخطير، أن الرقم لن يتوقف عند الـ8 المحبوسين ببلدية الجزائر الوسطى، وإنـّما الرقم قد يكون عند حدود الـ800 أو الـ8 آلاف أو عن الـ8 ملايين مُفسد، وهذه هي المصيبة العظمى.. نجاح عملية “أفسدة” المجتمع، لكن اعلموا أنه كم من فئة صغير غلبت فئة كبيرة بإذن الله!