“المهندس الخفي للتكنولوجيا الحديثة”.. بلقاسم حبة “مخترع الشهر” في أمريكا
اختارت مجلة “Inventors Digest” الأمريكية العالم والباحث الجزائري بلقاسم حبة “مخترع الشهر” في عدد أكتوبر 2026، مسلطة الضوء على إسهاماته في تطوير التقنيات الدقيقة التي تقوم عليها الإلكترونيات الحديثة، من الهواتف الذكية والحواسيب إلى المعالجات المتقدمة ومراكز البيانات المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأفردت المجلة، بالتعاون مع منصة “IDiyas”، مقالا بعنوان: “المهندس الخفي: بلقاسم حبة والرابط غير المرئي للتكنولوجيا الحديثة”، بقلم ميشا غوش، تناول مسيرة الباحث الجزائري ودوره في تطوير تقنيات قد لا يلاحظها المستخدم النهائي، لكنها تؤدي دورا جوهريا في كفاءة الأجهزة الإلكترونية وقدرتها على معالجة البيانات ونقلها.
ابتكارات تعمل خلف واجهة التكنولوجيا
تبدأ المجلة مقالها بالإشارة إلى أن بعض الابتكارات التقنية تستقطب الاهتمام بتصاميمها اللافتة، مثل الهواتف المتطورة والشاشات القابلة للطي، في حين أن جزءا كبيرا من التقدم التكنولوجي يتحقق في مكونات داخلية دقيقة لا تظهر للمستخدمين.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة بلقاسم حبة، الذي أمضى عقودا في العمل على البنية المجهرية للإلكترونيات، ولا سيما تقنيات تغليف الشرائح الإلكترونية والروابط التي تسمح لمكوناتها بالتواصل بكفاءة، مع الحفاظ على استقرار أدائها تحت الضغط الحراري والتشغيلي.
وتوضح المجلة أن أداء الهاتف أو الحاسوب لا يعتمد على قوة المعالج وحده، بل يتأثر أيضا بكيفية تجميع الشرائح وتوصيلها وإدارة الحرارة الناتجة عن تشغيلها. وتزداد أهمية هذه الجوانب مع توسع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب قدرات معالجة مرتفعة وتتعرض معالجاتها لتحديات حرارية متزايدة.
من المغير إلى جامعة ستانفورد
وُلد بلقاسم حبة عام 1957 في مدينة المغير بالجزائر، ونشأ في بيئة بسيطة، قبل أن يقوده تفوقه الدراسي إلى مسار علمي قاده إلى الولايات المتحدة.
وبعد دراسته الفيزياء في جامعة الجزائر، واصل تعليمه في جامعة ستانفورد الأمريكية، حيث حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه في علوم المواد، وفق ما أورده المقال.
وشكل هذا التكوين العلمي قاعدة لمسيرته المهنية في مجال الإلكترونيات الدقيقة، الذي يجمع بين الفيزياء وعلوم المواد والهندسة، ويتطلب دقة عالية في تطوير المكونات التي تدخل في صناعة الأجهزة الإلكترونية.
مسيرة مهنية في شركات التكنولوجيا
وتشير المجلة إلى أن حبة عمل مع شركات تكنولوجية بارزة، من بينها “IBM” الأمريكية و”NEC” اليابانية، كما ارتبط اسمه بشركتي “Adeia” و”Rambus” المتخصصتين في تقنيات أشباه الموصلات والملكية الفكرية المرتبطة بالتكنولوجيا.
وتولى خلال مسيرته أدوارا في تطوير تقنيات متقدمة لتجميع الشرائح الإلكترونية وتحسين أدائها، كما عمل على فرق هندسية في مجال مراكز البيانات لدى شركة “غوغل”، حيث تزداد أهمية كفاءة المعالجة والتخزين مع النمو المتسارع للبيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتبرز هذه التجارب اتساع المجالات التي تشملها خبرته، من تصميم المكونات الدقيقة إلى تطوير حلول تساعد على تحسين أداء الأنظمة الإلكترونية واسعة النطاق.
أكثر من 650 براءة اختراع أمريكية
وفي مؤشر على حجم نشاطه الابتكاري، يذكر المقال أن بلقاسم حبة يمتلك أكثر من 650 براءة اختراع أمريكية، إلى جانب رصيد عالمي يتجاوز 3000 سجل لبراءات الاختراع.
وتشير المجلة إلى أن أعداد براءات الاختراع تعكس جانبا من مسيرته، لكنها لا تختزل وحدها طبيعة العمل الهندسي الذي يقف وراء هذه الابتكارات، إذ يتطلب تطوير تقنيات الشرائح سنوات من البحث والتجريب والتحقق من إمكانية تطبيقها على نطاق صناعي واسع.
وتتركز أجزاء مهمة من عمل حبة على تقنيات تغليف الشرائح وتصغير مكوناتها وتكديسها في طبقات ثلاثية الأبعاد، وهي حلول تتيح استغلال المساحة بصورة أكثر كفاءة وتقريب المكونات الإلكترونية من بعضها، بما يساعد على تحسين نقل البيانات وتقليل بعض القيود المرتبطة بحجم الأجهزة وأدائها.
وتكتسب هذه التقنيات أهمية متزايدة في صناعة أشباه الموصلات، خصوصًا مع تزايد الطلب على معالجات قادرة على التعامل مع أحجام ضخمة من البيانات، إذ لم يعد تطوير المعالج مرتبطًا فقط بتصغير مكوناته، بل أصبح يشمل كذلك كيفية ربطها وتبريدها وتكاملها داخل منظومة واحدة.
التغليف الدقيق وتحديات الحرارة
ويشرح المقال أن الشرائح الإلكترونية تعمل ضمن ظروف تشغيل قد تنتج عنها حرارة مرتفعة، في حين تتطلب التطبيقات الحديثة سرعة كبيرة في تبادل البيانات بين المكونات المختلفة.
ومن هنا تبرز أهمية تقنيات التغليف المتقدم، التي تساعد على تقليل المسافات بين المكونات وتحسين كفاءة الاتصال بينها، فضلًا عن معالجة التحديات المرتبطة بالحجم والحرارة والموثوقية.
كما يشير المقال إلى استخدام تقنيات تكديس الشرائح في ثلاثة أبعاد لتقليل زمن انتقال البيانات، بدل الاعتماد حصريًا على ترتيب المكونات بصورة أفقية. وتزداد أهمية هذه الحلول في مراكز البيانات والمعالجات التي تتطلب مستويات مرتفعة من الأداء.
وتعكس هذه الجوانب طبيعة الإسهام الذي يسلط المقال الضوء عليه: ابتكارات هندسية تقع خلف الواجهة الظاهرة للأجهزة، لكنها تساعد على تمكين كثير من الوظائف التي أصبحت جزءًا من الحياة الرقمية اليومية.
اهتمام بتكوين الكفاءات في الجزائر
ولا تقتصر مسيرة بلقاسم حبة على العمل في الشركات والمؤسسات التكنولوجية الدولية، إذ يشير المقال إلى ارتباطه بمبادرات تعليمية وتكنولوجية في الجزائر، من بينها معهد حبة ومعهد نوميديا للتكنولوجيا.
وتندرج هذه المبادرات ضمن مساعٍ لتشجيع المواهب الشابة وتوسيع فرص التكوين في المجالات العلمية والتكنولوجية، وربط الكفاءات الجزائرية بالتحولات التي يشهدها قطاع الابتكار.
ويبرز هذا الجانب امتداد اهتمام حبة إلى ما هو أبعد من تطوير المكونات الإلكترونية، نحو دعم بيئة معرفية يمكن أن تسهم في إعداد أجيال جديدة من الباحثين والمهندسين.
“المهندس الخفي” للتكنولوجيا الحديثة
وفي ختام عرضه لمسيرة الباحث الجزائري، يسلط المقال الضوء على المفارقة بين المنتجات التقنية التي يراها المستهلكون يوميا والمكونات الدقيقة التي تتيح لها العمل بكفاءة.
ويعكس وصف “المهندس الخفي” طبيعة هذا الدور؛ فالتقدم في صناعة الإلكترونيات لا يتحقق من خلال التصميم الخارجي للأجهزة وحده، بل يعتمد أيضا على ابتكارات دقيقة في المواد والتوصيلات والتغليف وإدارة الحرارة.
يذكر أن Inventors Digest مجلة ومنصة نشر أمريكية متخصصة في الاختراع والابتكار، تخاطب المخترعين المستقلين والمحترفين والعاملين في تطوير المنتجات والملكية الفكرية. بدأت كنشرة صغيرة عام 1985، وتصف نفسها بأنها أطول مطبوعة شهرية مستمرة من نوعها، مع حضور مطبوع ورقمي.
