الرأي

الموت بالقنطة والهفّ!

جمال لعلامي
  • 10638
  • 5

عندما تأكل 5 آلاف نخلة ما لا يقلّ عن 90 مليارا، لتزيين شوارع العاصمة، وأغلب هذه الأشجار المباركة والمستأصلة من الصحراء أو المستوردة من صحارى بلدان أخرى، فإنه من الضروري تأييد أيّ تحقيق في مثل هذه المهازل والفضائح التي “نهبت” المال العام بصفقات افتراضية واستعراضية، لم تجن منها البلاد ولا العباد لا ناقة ولا جمل!

هذا المشروع القديم، ذكـّرني بحادثة مضحكة مبكية، والعهدة على الراوي، أن السلطات المحلية لإحدى الولايات، قامت بوضع أعمدة كهربائية لتضليل وفد رسمي، وبمجرّد عودة هذا الوفد إلى العاصمة، تمّ اقتلاع تلك الأعمدة المزيفة من “لغاليغها”، وعادت بعدها ريمة إلى عادتها القديمة!

حادثة أخرى وقعت قبل سنوات، بإحدى الولايات الداخلية، جهز حيّ سكني للتدشين، وتفاجأ الصحفيون الذين رافقوا الوفد الرسمي، بتزويق شقة واحدة فقط، حيث إن الأشغال في باقي الشقق، وفي نفس العمارة لم تكتمل، ويستحيل توزيعها مثلما روّجت لها السلطات المحلية عبر التلفزيون!

حكاية النخيل الذي زوّقوا به أجزاء من العاصمة، ما هو إلاّ عيّنة للتسيّب، وصدق المثل إذ يقول: “المال السايب يعلم السرقة”، وإلاّ كيف يُمكن تفسير فوترة الشجرة الواحدة بمبلغ 20 مليونا، فيما سعرها الحقيقي لا يتجاوز 3.5 ملايين سنتيم؟

هو النصب والاحتيال يمشيان على أرجلهما وأيديهما، لا يفرّقان بين الصفقات القانونية و”البزنسة” الاحتيالية وتضخيم الفواتير والتدليس والغشّ والتزوير، ولذلك فإن تجاوزات الفوترة لا تخصّ فقط النخيل، ولكنها تتعلق بالكثير من الصفقات التدليسية التي أثقلت كاهل الخزينة العمومية، وألزمتها بدفع نفقات اضطرارية قاتلة!

لا يُمكن أن نـُشفى من هذا المرض، طالما مازال مسؤولون محليون لا يتذكرون تنظيف الشوارع وتزويقها ورشّ الغبار بالماء وطلي الجدران بالجير، إلاّ إذا علموا بزيارة رسمية لوفد وزاري أو رسمي، ولن يُشفى الداء أبدا، إذا استمرت أكذوبة “الزيارات التفتيشية الفجائية”!

صادفت ذات يوم في إحدى المؤسسات العمومية، طوارئ وأشغال سريعة وعاجلة على طريقة “الفاست فود”، وبعد ساعات دخلت المكتب، فتفاجأت ببرقية في وكالة الأنباء، تـُفيد بأن الوزير الفلاني قام بزيارة “فجائية” إلى ذلك المكان، وفجأة كاد الضحك أن يقتلني، فصدّقوا أو لا تصدّقوا، وتساءلوا كيف أن العمال الزوالية علموا بالزيارة “المباغتة” فحضروا لها بكل فجائية؟

هو “الهفّ والفستي” يفعلان فعلتهما، أفلا يستحي “الهفافون” ويعلموا بأنهم يضرون أنفسهم قبل أن يُخيّل لهم بأنهم يعتدون على غيرهم؟

مقالات ذات صلة