الموت حُباً..!!
قاطع أحد الرحالة الأجانب – ممن كانوا يجوبون البادية، في أواخر العهد العثماني بكثرة، مدفوعين بحب المغامرة والاكتشاف، وربما بمآرب أخرى – قاطع أحد المغنين على “الربابة”، في جلسة طرب وسماع، في إحدى المضافات البدوية، قائلاً: “عرب غير معقول..!! عرب عجيب..!!”.
– 1 –
وحين استوضحه بعض الحاضرين، عن مغزى هذه الكلمات الغامضة التي انطلقت من فمه، ممزوجة بشيء كثير من الأسف والسخرية، رد عليهم بقوله:
– لماذا يتلوّع هذا المغني ويكاد يبكي من الألم والشكوى..؟! أليس من أجل فتاة يريدها.. ولا يستطيع لقاءها أو رؤيتها..؟!! ولكن هل تعتقدون أنّ مثل هذا الموضوع البسيط جدير بكل هذا الثمن من المناحة والصراخ، وطلب النجدة من الأهل والأصدقاء، على ما يعتقد انه محنة كبرى..؟! لا.. لا.. هذا هو الأمر غير المعقول في غنائكم وأشعاركم..!!
– 2 –
ولو كانت الدراما التلفزيونية “البدوية” قد “اخترعت” – في ذلك الزمن – لأضافها ذلك الرحالة الأجنبي إلى غنائنا غير المعقول وأشعارنا “العاطفية” العجيبة، حسب رؤيته تلك..!!
وأذكر أنني كنت – طوال فترة الثمانينيات والتسعينيات – أقف في صف المستهجنين لتلك الأعمال “البدوية” التي برعت في إنتاجها بعض الشركات الأردنية، وكانت تنسجها على منوال قصص الحب العربية التراثية الشهيرة: قيس وليلى – جميل وبثينة – عنترة وعبلة – وعروة وحذام.. إلخ، إلا أنها تختلف عنها في لهجاتها “العامية البدوية” المطعمة ببعض الكلمات الفصيحة، وفي بعض الصراعات الجانبية التي يخوضها البطل ضد الأشرار، من شذاذ القبيلة، أو القبائل المنافسة.. وكم كنا نسخر من الممثلين “الشوام” من أبناء المدن، وهم يتكلفون الجهد الجهيد في تقليد لسان أهل البادية، فتتعثر ألسنتهم بكثير من الكلمات والصيغ، والأمثال البدوية فتأتي بالعجب العجاب من الصور المثيرة للضحك والإشفاق..!!
وأعترف – الآن – بأنني كنت من كبار الواهمين في اعتقادي أن تلك الأعمال “البدوية” ليس لها جمهور، خارج الإطار الجغرافي لبلدان الخليج التي كانت – وما تزال – السوق الرئيسية لاستهلاك هذا النمط من الدراما..!! فلم تلبث الأيام أن حررتني من ذلك “الوهم” الدرامي..!! لا سيما حينما قمنا بتأسيس قناة الدراما السورية، وفوجئنا بالحجم الهائل لرغبات الجمهور الذي كان يلح في مطالبتنا بإنتاج الأعمال البدوية، وإعادة عرض الأعمال القديمة منها..!!
ولعل مما أدهشني أيضاً.. أن أجد – في هذه الأيام – بعضاً من أصدقائي الجزائريين، ومنهم كتاب وإعلاميون، مازالوا يتذكرون تلك الأعمال الدرامية البدوية بكثير من الحب والحنين، ويستعيدون كثيراً من شخصياتها، ويحفظون بعض حواراتها وأغنياتها الشجية التي برعت في الشدو بها مطربة البادية بلا منازع “سميرة توفيق”..!! وقد تطوع أحدهم بطمأنتي أن هذه المطربة المحبوبة ماتزال تتمتع بالصحة والعمر المديد.. وأنها اختارت الإقامة الدائمة في “السويد”..!! تعويضاً لها عن عمرها الذي “ضاع” في البوادي والقفار العربية..!!
– 3 –
ولكن كلّ هذا الاستطراد – عن البداوة وفنونها – لا يكفي للرد على ذلك الرحالة الغربي الذي تكشّف انتقاده للغناء البدوي – في تلك الأيام – عن رؤية أجنبية مختلفة لموضوع العشق والعاشقين.. ولم يتمالك الحاضرون في تلك المضافة – يومئذ – أنفسهم من الانخراط في طقس عربي ضاحك مستهزئ بعقلية هذا الغريب الذي لم يستطع “تفهم” معنى “لوعة العشق”، وأنين الحرمان المعتق لمئات السنين..!! ولكنّ ذلك الغريب مضى يشرح وجهة نظره:
– حقاً.. ما أعجب أموركم أيها العرب..!! انظروا ماذا يفعل بقلوبكم وعقولكم هذا الشاعر المغني..!! لقد شدكم من آذانكم إلى وديان الألم والقهر والصراخ والشكوى والأنين..!! واستطاع أن يحيل حياته وحياتكم – في لحظات – إلى جحيم، لمجرد أن الفتاة التي يهواها قد هجرته، أو أن أهلها قد منعوه من رؤيتها والاتصال بها، وأصبحت غير قابلة “للوصال”..!!
وضجت المضافة بالضحكات الساخرة من جديد، بعد هذه المرافعة التي قدّمها ذلك الغريب ضدّ الغناء العربي، بل الغناء الشرقي بكامله، من وجهة نظر مازالت تبدو لنا سطحية و”مضحكة”..!! ولا بد أن ذلك المغني قد تابع غناءه الشجي – بعد ذلك – فراح يعاتب الدهر الظلوم، ويستحث الحبيبة الهاجرة على الإشفاق والرأفة بحالِهِ “العَدَم” على حد تعبير الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، الذي روى لنا – في مذكراته – موقفاً مشابهاً لهذه الحكاية، من حيث الجوهر، وإن اختلفت بعض التفاصيل.. ففي سهرة راقية في العهد الملكي المصري، تقدم المطرب الكبير محمد عبد الوهاب ليسلم على مصطفى النحاس الباشا رئيس الحكومة.. ولكنه فوجئ به يشيح بوجهه عنه، ويرفض مصافحته، ويخاطبه غاضباً:
– أنا لا أصافح المائعين..!!
ثم تابع الباشا ساخراً:
– ألست أنت من يغني قائلاً:
(مسكين وحالي عدم من كتر هجرانك يا اللي تركت الوطن والأهل علشانك)..؟؟!!
– نعم يا سعادة الباشا..!!
– كيف سوّلت لك نفسك أن تترك وطنك لأجل بنت؟!! هل أنت فاقد الرجولة؟!! أليست لك كرامة؟!! أما عندك روح وطنية؟؟!! ثم كيف تفسر لنا أن مجرد فتاة قادرة على أن تجعل منك مخلوقاً مسكيناً يهجر وطنه ويتخلى عن أهله من أجلها؟؟!!!”.
أما أنا فلست أدري ما يكون عليه موقف كل من ذلك الرحالة الأجنبي، وذلك الباشا المصري، لو سمعا الشاعر العباسي “ماني المُوَسْوَس” وهو يذوب خجلاً، لأنه لم يمت اشتياقاً في غياب الأحبة:
بانوا فباتَ الجسمُ من بعدِهِمْ ما تصنعُ الشمسُ لهُ فَيـــَّــــا
بأي وجهٍ أتـــــــــــــــــلقاهمُ إذا رأوني – بعدهم – حَيَّا؟؟!!