الموجة الثانية المدمِّرة من “ربيع الشعوب”
ساعات قليلة من الاحتجاجات العفوية، حوَّلت بيروت وكثيرا من مدن وبلدات لبنان إلى ساحات مواجهة عنيفة بين المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب، تواصلت دون انقطاع ليلة الخميس إلى الجمعة بأعمال شغب منفلتة: من قطع طرق وإشعال نيران، وتخريب محلات، وإحراق مبان، واستهداف بيوت بعض رموز الطبقة السياسية من جميع الطوائف، بما في ذلك الجنوب اللبناني ونخبته السياسية من حركة أمل وحزب الله.
شعار إسقاط الحكومة تحوَّل بسرعة إلى مطالبة صريحة بإسقاط النظام الطائفي، الذي أعاد لبنان، تحت سقف ديمقراطية الطوائف إلى مسخٍ حديث للنظام الإقطاعي، إذ يتحكم رئيسُ الطائفة الدينية والمذهبية في كل صغيرة وكبيرة من حياة المواطن، مع استشراء فظيع للفساد وسط طبقة سياسية عشائرية تتقوّت من اقتسام الريع السياسي والمالي للسلطة، وتشغل المواطنين بخطاب طائفي ومذهبي متهالك، حوَّل لبنان إلى ساحة مواجهة مستدامة بين القوى الإقليمية المتصارعة في المشرق.
المطالبة بإسقاط النظام الطائفي في لبنان تأتي كرجع صدى لاحتجاجات مماثلة شهدتها مدنُ العراق منذ أسابيع قليلة، خرجت للتنديد بفساد النخبة السياسية الطائفية التي حوَّلت العراق الغني إلى خراب، انعدمت فيها أبسط مرافق الحياة، وألحقت الطبقة الوسطى فيه بمن أسقطهم الاحتلال المزدوج الأمريكي الإيراني تحت سقف الفقر، وخذلتهم شعارات الديمقراطية الكاذبة حين تقودها أحزابٌ طائفية من المعمَّمين ومن غير المعمَّمين.
ثمة قواسم مشتركة بين الاحتجاجات الشعبية التي طالت أربع دول عربية: بدءا بالسودان والجزائر، وانتهاء بالعراق ولبنان، خرجت جميعا للمطالبة بإسقاط أنظمة حكم معطلة، يعاب عليها استغراقها في الفساد قبل أن تؤاخَذ بالاستبداد وبالتضييق على الحريات، وقد تميَّز فيها الحَراك في الجزائر بسلميته التي حافظ عليها طيلة ثمانية شهور بحبلٍ من المتظاهرين، وحبل من السلطة، التي رفضت اللجوء إلى القوة المفرطة، وآثرت مرافقة الحراك بالاستجابة المتدرِّجة لأبرز مطالبه، بدءا بتعطيل العهدة الخامسة، وترحيل كثير من وجوه النظام، وإحالة رؤوس العصابة إلى المحاكم العسكرية والمدنية، وإطلاق حملة غير مسبوقة ضد الفساد والمفسدين، أحالت العشرات منهم إلى سجني البليدة والحراش.
ولأنَّ مطلب محاربة الفساد في الانتفاضات الأربع قد طغى على بقية المطالب، فإنَّ فرص استجابة النظام في العراق ولبنان للمطلب تبدو مستحيلة، مع تورُّط أغلب مؤسسات الحكم في الفساد، وتعويق الطائفية لقيام الدولة، ولبناء جيش وطني قادر على حماية البلد من التدخُّلات الإقليمية والدولية، التي تمنع في العادة بناء توافقات وتصوُّر حلول تحافظ على الدولة حتى مع التسليم بحتمية سقوط النظام والحاجة إلى بناء نظام جديد.
سقوط النظام الطائفي المبرمَج في العراق ولبنان سوف يفضي حتما إلى تفكُّك المتشابَه من مؤسسات الدولة، تماما كما حصل في ليبيا من غير تدخُّل أجنبي، على خلاف فشل ثورة يناير المصرية في إسقاط نظامٍ كان قد أسِّس حول قطب المؤسَّسة العسكرية، كما أخفق الحَراك في السودان في إسقاط النظام حتى بعد ترحيل عمر البشير، واختار السودانيون التعامل بقدر من الواقعية باقتسام السلطة مناصفة مع الجيش، فيما يُجرَّب في الجزائر مخرجٌ ناعم، نجح حتى الآن في التوفيق بين أهمِّ مطالب الحراك، والحاجة إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة، وطرح خيار التغيير التدريجي لنظام الحكم عبر المسارات الانتخابية.
ولأنَّ كثيرا من الدول والشعوب العربية مرشحة لموجةٍ جديدة من الاحتجاجات الشعبية، قد تطال دولا مثل المغرب والأردن ومصر مجددا، لها ذات المطالب المشروعة بمحاربة الفساد، وضيق الشعوب باستبداد النخب الحاكمة، فإنَّ أنظمة الحكم فيها ليس لها هامشُ مناورةٍ كبير أو موارد مالية كافية لشراء السِّلم الاجتماعي وأغلبها غارقٌ في المديونية، موبوء بالتدخُّلات الإقليمية والدولية المفضوحة في أدقِّ تفاصيل إدارة الشأن العام، ما يرشح الموجة الثانية من “ربيع الشعوب” لتكون حتما أكثر تدميرا للدول ومقدراتها وسيادتها من الموجة الأولى.