المونديال.. مشروع 30 مليون مجنون!!
هل سنكون أقلّ وطنية من غيرنا، إن نحن طالبنا بإغلاق ملف (وان – تو – اثري) الذي حولناه إلى خبز يومي، نلوكه صباح مساء، وتحولنا معه إلى ظاهرة صوتية، ملأت الدنيا ضجيجا وصخبا؟
هل سنكون أقل درجة في جزائريتنا، عندما نكون أكثر هدوءا، ونطالب الصّحافة الوطنية، بغلق هذا الملف الذي لن يغير الاستمرار في تناوله من حقيقة أننا دخلنا المونديال، وخرجنا منه، بطريقة عادية جدا، لا تستأهل كل هذا الاهتمام الزّائد، الذي حوّل 30 مليون جزائري إلى 30 مليون مدرّب، بمن فيهم زوجتي “سعدية” التي تحولت فجأة إلى “سعدان”، ونتفت نصف شعر رأسها عندما سجل الشاوشي هدفا على مرماه، وأكملت الباقي عندما سجل ضدنا الأمريكان؟!
أوليس من حقّي كمواطن مظلوم، أن أطالب بغلق هذا الملف، بعد أن أصبح دماغ زوجتي، يشبه دماغ بوڤرة، وأصبحت أشعر أنني أعيش في البيت مع ولد عمي وليس مع امرأة؟!
ما الذي يعوضني عن هذه الخسارة الفادحة، بعد أن أصبحت حنّونتي صلعاء من شدة النتف، ولم يعد بإمكانها الذهاب إلى صالونات الحلاقة والتزيين ككل النساء؟!
وما الذي سيعوض 30 مليون جزائري، عن أوقاتهم التي ضيعوها في القيل والقال وكثرة السؤال، وفي النقاشات الساخنة التي جعلت بعضهم عرضة لانتفاخ الأوداج، وارتفاع ضغط الدم، والإصابة بالسكري، وكثرة شرب القهرة والتدخين و”الزطلة” وحتى “الرّوج والزنبرطو”؟!
ما زاد على حدّه انقلب إلى ضدّه
صحيح أن المونديال يشكل كل أربع سنوات محطة للمنافسة الكروية الدولية، ومن الطبيعي أن يكون لكل فريق أنصار ومشجعون، غير أن المبالغة في التشجيع وجعل المباريات قضايا موت أو حياة، غالبا ما يؤدي إلى نتائج عكسية إن لم تكن كارثية مثلما حدث لبعض المشجعين الجزائريين الذين أصيبوا بالسكتات القلبية المفاجئة، أو الجلطات الدمّاغية المودية إلى الوفاة، أو الذين جازفوا بحياتهم من أجل مشاهدة مباراة، كالذي تسلق عمودا كهربائيا، كان يمكن – لولا حفظ الله- أن يحوله إلى ذرات متناثرة، ويدخله التّاريخ من بابه البليد.
وهي نفس درجة المبالغة التي عكستها الصحافة الوطنية، الحكومية والمستقلة، واليومية والأسبوعية، التي صنعت من الحبة قبة، وجعلتنا نتوهم أن أقدام الجزائريين لا تشبه أقدام البشر، أو أن الشيخ سعدان يوحى إليه ولا يجتهد.
وهي نفس درجة المبالغة التي عكسها سخط الصّحافة على سعدان عندما اجتهد فأخطأ، وعلى الفريق الوطني حين أخطأ التسجيل، وهكذا دواليك..
من المستفيد من كل هذا؟
لعل المستفيد الأول والأخير من كل هذه اللعبة، هم أعضاء المنتخب الوطني، الذين أخذوا أجورهم بالتمام والكمال، ورجعوا إلى بلدانهم الأوروبية سالمين غانمين، ثم الحكومة التي منحتها أجواء المونديال الساحرة الإحساس بالأمان، وجعلتها تعيش أحلى أيامها بعيدا عن قلاقل الجبهة الاجتماعية ومطالب الشعب وشغبه.
أما الخاسر الأكبر فهو أنا، العبد الضعيف، الذي فقدت زوجته خصائص الجنس اللطيف، ومعي 30 مليون جزائري، لم يربحوا من كل ما حدث إلا “الريح” بمن فيهم صديقي أبو جرة الذي كان ينوي الذهاب إلى جنوب إفريقيا، ليعيد تسجيل لقطة أم درمان، ويثبت أنه وطني إلى درجة الجنون!!
ثم.. بعد
لقد كان المونديال كسوق انتصب ثم انفض، ربح فيه الزبون وخسر فيه الخاسرون، وليس من المعقول أن يستمر الحديث عن هذا السوق إلى يوم القيامة، إلا إذا كانت نية النظام تحويل هذا السوق إلى مشروع 30 مليون جزائري مجنون، أو مزطول، لا يستفيق إلا ليعود إلى الدوخة أو النوم.
ومرة أخرى نتساءل: هل كان من المنطقي أن يفقد الجزائريون أعصابهم من أجل فريق وطني، لا يعرف نصف أعضائه الجزائر إلا من خلال ومضات الإشهار أو نشرات الأخبار؟ وهل من المعقول أن نستمر في الحديث عن هذا الفريق من دون أن نغيّر من الحقيقة الكريهة شيئا، حقيقة أن منتخبنا الوطني لكرة القدم لا يمكن أن يكون كما نحبّ، إلا إذا كان نابتا في تربة هذا الوطن، وكانت أقدام لاعبيه مغبّرة بترابه وليس بتراب فرنسا.
وهل عميت عين سعدان على أبناء الجزائر العميقة والأحياء العتيقة، أم أن عقدة الاستيراد ما زالت تلاحقنا حتى في الرياضة؟