الرأي

المُحرَّم على أمتنا في‮ ‬شهر مُحرَّم

عبد الرزاق قسوم
  • 2262
  • 0

كان‮ “‬أسلافنا‮” ‬الجاهليون العرب،‮ ‬يعظّمون الأشهر الحرم،‮ ‬أيما تعظيم،‮ ‬فإذا هلّ‮ ‬هلال هذه الأشهر،‮ ‬أمسكوا ألسنتهم عن الجهر بالفحشاء،‮ ‬وأغمدوا سيوفهم بكفها عن سفك الدماء،‮ ‬ونأوا بأنفسهم عن إثارة الشحناء والبغضاء،‮ ‬فإذا التقى أحدهم بقاتل أبيه،‮ ‬أو أخيه،‮ ‬أو أحد ذويه،‮ ‬أدار وجهه عنه،‮ ‬فلا‮ ‬يأخذ بثأر القتيل من القاتل،‮ ‬تعظيماً‮ ‬للأشهر الحرم،‮ ‬وتقديساً‮ ‬للبيت الحرام؛ والأشهر الحرم هي‮ ‬شوال،‮ ‬وذو القعدة،‮ ‬وذو الحجة،‮ ‬والمحرّم‮.‬

قداسة محرم،‮ ‬هو أنه استهلالٌ‮ ‬للعام الجديد،‮ ‬وأنه خاتمة الأشهر المقدسة،‮ ‬وأنه تتويج لأكبر عمل في‮ ‬حياة المسلم،‮ ‬وهو الحج الأكبر كما سماه القرآن‮.‬

من هنا جاء التأكيد على السلم في‮ ‬هذه الأشهر‮ ‬‭_‬فَلاَ‮ ‬رَفَثَ‮ ‬وَلاَ‮ ‬فُسُوقَ‮ ‬وَلاَ‮ ‬جِدَالَ‮ ‬فِي‮ ‬الْحَجِّ‭_‬‮[‬سورة البقرة،‮ ‬الآية‮ ‬197‮]‬،‮ ‬أي‮ ‬الطهارة الشاملة للمسلم،‮ ‬بأن‮ ‬يسلم الجميع من لسانه ويده،‮ ‬وحتى الحيوان،‮ ‬يمنع قتله صيداً،‮ ‬‭_‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ‮ ‬آمَنُواْ‮ ‬لاَ‮ ‬تَقْتُلُواْ‮ ‬الصَّيْدَ‮ ‬وَأَنتُمْ‮ ‬حُرُمٌ‭_‬‮[‬سورة المائدة،‮ ‬الآية‮ ‬95‮].‬

ومن قدسية هذه الأزمنة،‮ ‬أن المسلم وغير المسلم،‮ ‬يجد فيها الأمان على نفسه وعلى ماله،‮ ‬بل ونجد الحماية الكاملة،‮ ‬والأمن الشامل‮ ‬‭_‬وَإِنْ‮ ‬أَحَدٌ‮ ‬مِّنَ‮ ‬الْمُشْرِكِينَ‮ ‬اسْتَجَارَكَ‮ ‬فَأَجِرْهُ‮ ‬حَتَّى‮ ‬يَسْمَعَ‮ ‬كَلاَمَ‮ ‬اللّهِ‮ ‬ثُمَّ‮ ‬أَبْلِغْهُ‮ ‬مَأْمَنَهُ‭_‬‮[‬سورة التوبة،‮ ‬الآية‮ ‬6‮]‬،‮ ‬إنه قرآن‮ ‬يتلى،‮ ‬يحصّننا ضد العدوان والروح العدوانية‮ ‬‭_‬فَسِيحُواْ‮ ‬فِي‮ ‬الأَرْضِ‮ ‬أَرْبَعَةَ‮ ‬أَشْهُرٍ‭_‬‮[‬سورة التوبة،‮ ‬الآية‮ ‬2‮]‬،‮ ‬أي‮ ‬أن المشرك‮ ‬يسيح في‮ ‬الأرض طيلة الأشهر الحرم،‮ ‬لا‮ ‬يخاف إلا الذئبَ‮ ‬على‮ ‬غنمه‮..‬

إن الإسلام،‮ ‬هذا الدين الواقعي،‮ ‬قد جاء لتعزيز بعض القيم النبيلة في‮ ‬الجاهلية،‮ ‬ومنها حفظ العهود،‮ ‬واحترام الحدود،‮ ‬وإشاعة السلام في‮ ‬الوجود‮… ‬ولكن ماذا فعل السلف،‮ ‬وقد التزموا الإسلام دينا،‮ ‬وأحكامه قانونا؟

إنه ليؤلمنا،‮ ‬أن نرى،‮ ‬أن أمتنا العربية الإسلامية،‮ ‬هي‮ ‬أبعد الناس عن خلق الإسلام وحتى عن قيم الجاهلية النبيلة،‮ ‬التي‮ ‬كانت سائدة‮  ‬قبل الإسلام‮.‬

فأمتنا،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬تتصادم في‮ ‬الحج إلى حد القتل،‮ ‬من أجل أداء النُّسك‮. ‬فأي‮ ‬مذهب هذا الذي‮ ‬يبيح لأتباعه،‮ ‬أن‮ ‬يقدم على القتل من أجل أداء شعيرة دينية،‮ ‬أيا كانت هذه الشعيرة؟ وإن ما حدث في‮ ‬حج هذه السنة،‮ ‬لأسوأ مثل عن الإسلام والمسلمين‮.‬

وفي‮ ‬أمتنا من‮ ‬يختطف الأطفال البرءاء ليمارس عليهم أسوأ الأفعال،‮ ‬ولينكل بهم أسوأ النكال،‮ ‬ويغتالهم أسوأ اغتيال‮.‬

وعندما تحدث هذه الجرائم من عدو‮ ‬غاشم كما هو الحال من العدو الصهيوني،‮ ‬الذي‮ ‬يغتال براءة الأطفال الرضع،‮ ‬نستنكر هذا ونعدّه من جرائم الإنسانية،‮ ‬بالرغم من أن الطفل الفلسطيني،‮ ‬قد‮ ‬يُغتال،‮ ‬وفي‮ ‬يده حجارة،‮ ‬وهي‮ ‬أقوى ما‮ ‬يملك للدفاع عن أرضه‮.. ‬لكن أن‮ ‬يُختطف الأطفال ممن‮ ‬ينتمون إلى بني‮ ‬جلدتنا،‮ ‬ويزعمون العمل بعقيدتنا،‮ ‬فيروعون أسرتنا،‮ ‬ويشوّهون ملّتنا،‮ ‬فإن ذلك ما لا نجد له تفسيراً‮ ‬أو تبريراً‮.‬

‬إن الأنكى،‮ ‬أن تتقاتل شعوبٌ‮ ‬إسلامية فيما بينها،‮ ‬فيحارب بعضهم بعضاً،‮ ‬ويلعن بعضهم بعضاً،‮ ‬ويكفر بعضهم بعضاً،‮ ‬وما أولئك بالمؤمنين‮.‬

يحدث كل هذا في‮ ‬شهر محرّم،‮ ‬وفيه الحج،‮ ‬وفيه عاشوراء،‮ ‬وفيه عيد التسامح،‮ ‬والتصافح،‮ ‬والتصالح،‮ ‬والتناصح،‮ ‬فليث هؤلاء المجرمين اقتدوا بالجاهليين في‮ ‬نبلهم،‮ ‬وعفتهم؟

وليث هؤلاء المتوحشين اتعظوا بقيم الإسلام،‮ ‬في‮ ‬سموّها الرباني،‮ ‬وعلوّها الإنساني،‮ ‬الذي‮ ‬يبعدنا عن كل عمل شيطاني؟

إن الأنكى،‮ ‬أن تتقاتل شعوبٌ‮ ‬إسلامية فيما بينها،‮ ‬فيحارب بعضهم بعضاً،‮ ‬ويلعن بعضهم بعضاً،‮ ‬ويكفر بعضهم بعضاً،‮ ‬وما أولئك بالمؤمنين‮..‬

كيف نبرّر إنسانياً،‮ ‬وإسلامياً،‮ ‬ووطنياً،‮ ‬ما‮ ‬يحدث في‮ ‬ليبيا؟ فمن‮ ‬يقتل من؟ ومن‮ ‬يلعن من؟ ومن‮ ‬يكفّر من؟ أليسوا جميعاً‮ ‬على دين واحد؟ وعلى مذهب واحد؟ وكانوا جميعاً‮ ‬ينشدون الخلاص من حكم الفرد الواحد؟

وما‮ ‬يقال في‮ ‬ليبيا،‮ ‬ينطبق على اليمن،‮ ‬وعلى سوريا،‮ ‬وعلى العراق،‮ ‬وعلى أفغانستان،‮ ‬وعلى أجزاء كثيرة من وطننا وأمتنا،‮ ‬فأين هي‮ ‬النخوة العربية الجاهلية في‮ ‬شهامتها وسماحتها؟

وأين هي‮ ‬الحكمة الإسلامية،‮ ‬في‮ ‬عظمتها وطيبتها،‮ ‬وقدسيتها؟

إن مأساة أمتنا،‮ ‬أنها صارت مذبذبة في‮ ‬انتمائها،‮ ‬ودعيّة في‮ ‬اقتدائها،‮ ‬وضالة في‮ ‬اهتدائها،‮ ‬فلا هي‮ ‬بالقيم الجاهلية النبيلة اقتدت،‮ ‬ولا هي‮ ‬بالسنن الإسلامية الجليلة تحصنت،‮ ‬فطار منها كل شيء،‮ ‬وفقدت كل شيء‮. ‬وليث أمتنا نزَّلت تقديس الجاهليين للأشهر الحرم في‮ ‬سلوكها،‮ ‬فكفت عن القتل في‮ ‬هذه الأيام،‮ ‬وعفت عن سفك الدماء في‮ ‬شهر محرّم الحرام؟‮ ‬‭_‬فَبِأَيِّ‮ ‬حَدِيثٍ‮ ‬بَعْدَ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬وَآيَاتِهِ‮ ‬يُؤْمِنُونَ‭_‬‮[‬سورة الجاثية،‮ ‬الآية‮ ‬6‮].‬

‬كيف نبرّر إنسانياً،‮ ‬وإسلامياً،‮ ‬ووطنياً،‮ ‬ما‮ ‬يحدث في‮ ‬ليبيا؟ فمن‮ ‬يقتل من؟ ومن‮ ‬يلعن من؟ ومن‮ ‬يكفّر من؟ أليسوا جميعاً‮ ‬على دين واحد؟ وعلى مذهب واحد؟

كنا نأمل،‮ ‬أن تتحول كل أيام الشهور في‮ ‬العام،‮ ‬إلى أيام حُرم،‮ ‬يحرم فيها القتل،‮ ‬والختل،‮ ‬والسحل،‮ ‬فتهب على أمتنا ريح الحب،‮ ‬والأمن،‮ ‬والأمان،‮ ‬والإيمان‮.‬

وطالما دعونا الله،‮ ‬أن‮ ‬يهدي‮ ‬حكامنا،‮ ‬وقادتنا،‮ ‬وعلماءنا،‮ ‬وزعماءنا،‮ ‬بأن‮ ‬يتلاقوا على كلمة سواء،‮ ‬هي‮ ‬الحق،‮ ‬والعدل،‮ ‬والحرية،‮ ‬والأخوة،‮ ‬والتسامح،‮ ‬والمحبة،‮ ‬حتى‮ ‬يشعر المواطن،‮ ‬شاباً‮ ‬أو كهلاً،‮ ‬رجلاً‮ ‬أو امرأة،‮ ‬بجو الطمأنينة التي‮ ‬تكره العنف،‮ ‬ومناخ السلام الذي‮ ‬ينبذ الحرب،‮ ‬وطقس المحبة الذي‮ ‬يرفض الكراهية والحقد،‮ ‬فينعم الجميع في‮ ‬كنف الوئام والسلام‮.‬

لقد خاب أملنا،‮ ‬عندما صار دعاؤنا في‮ ‬ضلال،‮ ‬وأملنا في‮ ‬خبال وخيال،‮ ‬وأصبح العكس هو السائد‮: ‬مزيد من العنف،‮ ‬ومضاعفة في‮ ‬القتل،‮ ‬وتنافس على السلاح والحرب،‮ ‬ومبالغة في‮ ‬الفساد والإفساد‮.‬

أكل ذلك بما كسبت أيدينا؟ وإنا من الصالحون ومنا المفسدون،‮ ‬ألأنّ‮ ‬الفساد هو الذي‮ ‬طغى وساد؟ فما جدوى عبادة العباد؟

إننا بالرغم من كل ما حدث ويحدث،‮ ‬نبقى متشبّثين ببصيص الأمل،‮ ‬وهو أن الصلاح سيهزم الفساد،‮ ‬وأن الخير سينتصر على الشر،‮ ‬وأن الحق سيسود على الظلم،‮ ‬مهما كثر المفسدون،‮ ‬وتضاعف عدد الأشرار،‮ ‬وطغى أمر الظالمين‮.‬

إن للظلم،‮ ‬والفساد،‮ ‬والشرّ‮ ‬ساعة،‮ ‬ولكن الحق إلى قيام الساعة،‮ ‬ولله الأمر من قبل ومن بعد‮.‬

مقالات ذات صلة