النائب والمال السايب!
النواب الذين دشنوا عهدتهم البرلمانية، بتمرير “قانون” زيادة الماء للبحر، من خلال رفع أجورهم إلى سقف تجاوز الثلاثين مليونا، سيغادرون منتزه زيغود يوسف، بتعويض يُروى والعهدة على الراوي أن قدره 300 مليون لكل نائب “رايب” من “المال السايب”، دون تحديد سبب أو هدف أو مبرر هذا التعويض الذي سيُفرح كثيرا السادة النواب عند نهاية الخدمة!
الثلاثون مليونا أو الثلاث مئة مليون، ستكون مبرّرة في جزء منها، لو “سال عرق” النواب عليها، وقد طالبهم في وقت سابق، الوزير الأول، بأن “يحللوا دراهمهم”، ويُجهل الآن إن كانت هذه الملايين “حلال” أم “حرام”، في وقت حدث للعديد من “ممثلي الشعب” ما حصل لذلك الذي يحرّم اللحم ويحلّل مرقه!
من الضروري أن يقدّم كل حزب حصيلة نوابه للشعب، ومن الحتمي أن يقدّم كلّ نائب حصيلته لحزبه، قبل تنظيم التشريعيات المقبلة، حتى لا يختلط الزيت بالماء، وحتى لا يصبح العمل البرلماني مجرّد نضال حزبي، يبدأ بالثرثرة خلال الجلسات وينتهي بـ”الهدرة” التي لا تسمن ولا تغني من جوع!
إلى أن يثبت العكس، لم يتجرّأ أيّ حزب على إعلان حصيلة نوابه المالية والأدبية أمام الحكومة والبرلمان والشعب وأمام “ربّي وعبادو”، حتى تكون الأمور واضحة، ويكون بعدها الحساب والعقاب عادلا، وبعيدا عن مقاييس التمييز والمفاضلة، التي أغرقت الحصائل البرلمانية في مستنقع الفوضى والعشوائية!
لا يُمكن لنواب لا يعرضون حصيلتهم النيابية، أن يطالبوا الوزراء بحصائلهم الوزارية، كما لا يُمكن لبرلمان يتهرّب من كشف حصيلته الخماسية، أن يفرض على الحكومة عرض حصيلتها الحكومية، ولن يكون بمقدور البرلمان القادم إثارة شهية المواطنين وإسالة لـُعاب الناخبين، ما لم يبرّئ البرلمان الميّت إكلنيكيا ذمّته أمام الملأ!
لا داعي لمعشر النواب، أن يستعرضوا عضلاتهم قبيل انقضاء العهدة، ولا طائل من الهجومات والمرافعات التي أصبحت كمن يحرث في الماء أو يضرب الريح بالعصا، والأكيد أن الخمس سنوات المنقضية، كانت كافية لـ389 نائب حتى يكسبوا ثقة المواطنين ويبرهنوا عن “حسن النوايا” ويلووا ذراع الحكومة خدمة للشعب والدولة!
لكن الآن، وبعد انطلاق مراسيم تشييع “جنازة” برلمان 2007، لا يُمكن للنواب أو غيرهم، أن يحوّلوا “القرحة” إلى “فرحة”، ولا الهزيمة إلى نصر، ولا الجحيم إلى جنة، لكن كان بمقدورهم، خلال الخمس سنوات المدفونة، أن يبيّضوا صورة برلمان مضروب في ثقته ومصداقيته ونزاهته!
المسؤولية بطبيعة الحال تتحمّلها الأحزاب و”المعارضة” قبل السلطة، فالنواب تابعون لتلك الأحزاب التي أشبعت المواطنين كلاما معسولا وحاولت شراء عقله “أونطة”، وهو نفس المصدر الذي كان مطالبا بتمثيل الشعب، فإذا به يتحوّل إلى ممثل بارع عليه!
من العيب والعار، أن يتحرّك بعض النواب في الوقت بدل الضائع، من أجل الترشح مجدّدا، وقد كانوا في العهدة الماضية، نيّاما في برّ-لمان، يقبضون آخر كلّ شهرن دون أن يسألوا أنفسهم إن كانت تلك الأجرة تعادل ما بذلوه خدمة للأمة، وليس خافيا أن العديد من النواب، كانوا محلّ بحث حثيث من طرف ناخبيهم ومداشرهم التي غادروها ولم يعودوا إليها منذ ماي 2007!