النائب العام: إذا كانت حقوق المتهمين مقدسة فإن حق الشعب أكثد قداسة!
قرر قاضي محكمة الجنايات لدى مجلس قضاء العاصمة، محمد رقاد، تأجيل محاكمة المتهمين الـ19 في قضية “سوناطراك1” إلى الدورة الجنائية المقبلة، لتنفيذ أمر إحضار الشهود، البالغ عددهم 29، عن طريق القوة العمومية.
وهذا بعد تأكيد غيابهم عن جلسة المحاكمة أمس، فيما رفضت محكمة الجنايات طلب الإفراج عن المتهمين السبعة الموقوفين منذ خمس سنوات ونصف بسجن الحراش بعد أخذ ورد مع هيئة الدفاع بخصوص وجود ضمانات وكذا وجود المتهمين في “الحبس التعسفي“، حسب الدفاع.
حضور سعيد سحنون وخلفه أمين معزوزي وغياب زرقين
كانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف صباحا لما انطلقت إجراءات الجلسة الجنائية في قضية “سوناطراك1″ التي يتولاها القاضي محمد رقاد، وعلى غير العادة لم يكن الحضور حاشدا مثلما حصل في الجلسة السابقة التي تأجلت شهر مارس، وخاصة بالنسبة إلى المحامين الذين اضطر أغلبهم إلى الانسحاب أو تكليف زملاء آخرين بتمثيلهم نظرا إلى ارتباطهم بمجريات محاكمة الخليفة بالبليدة والتي بلغت مراحلها الأخيرة مع فتح باب المرافعات.
ومن دون مقدمات شرع القاضي، محمد رقاد، في المناداة على المتهمين الذين حضر جميعهم من أشخاص طبيعيين منهم 7 موقوفين، والباقي تحت الرقابة القضائية، وممثلي أربع شركات أجنبية جزائرية “إيطالية، ألمانية“، ولم يحقق رئيس الجلسة في هويات ومناصب المتهمين مثلما جرت عليه العادة، ليباشر في المناداة على الشهود بعد التأكد من حضور ممثلي الأطراف المدنية الحاضرين عن مجمع سوناطراك حاج حمو محمد ومحمد رشيد بن علي، حيث كشفت المناداة على الشهود غياب نحو 29 منهم، وأغلبهم إطارات وتقنيون بمجمع شركة سوناطراك ومنهم أجانب لهم علاقة بالشركة الإيطالية والألمانية، إلا أن الملفت للانتباه أن القاضي لم يناد على المترجمين للتأكد من حضورهم، فيما غاب هذه المرة الشاهد زرقين عبد الحميد، الرئيس المدير العام الأسبق لسوناطراك، الذي خلف نور الدين شرواطي في الفترة التي أعقبت فتح ملف الفساد في سوناطراك وتنحية محمد مزيان، فيما حضر الرئيس المدير العام الذي خلفه على رأس المجمع إلى غاية نهاية شهر ماي الجاري سعيد سحنون والمطلوب شاهدا في الملف. وعرفت الجلسة حضور الرئيس الجديد المعين مؤخرا على رأس مجمع سوناطراك معزوزي أمين الذي غادر الجلسة بعد الإعلان عن تأجيلها مباشرة.
تأجيل غير منتظر والنيابة لم تنفذ أوامر المحكمة
بمجرد الانتهاء من المناداة على الشهود، منح القاضي الكلمة للدفاع لتقديم طلباتهم وإبداء ملاحظاتهم، ليتقدم الأستاذ شايب صادق متسائلا عن مدى تطبيق النيابة العامة لأوامر المحكمة الجنائية بخصوص استصدار أوامر ضبط وإحضار الشهود المتغيبين، مشيرا إلى عدد من الشهود المهمين الذين طالب الدفاع بإحضارهم على غرار يحي مسعود إطار بسوناطراك يملك معلومات مهمة بخصوص الصفقات وكذا شرواطي نور الدين الذي خلف مزيان على رأس المجمع. وهو الطلب الذي أدى بهيئة محكمة الجنايات بقضاتها دون إشراك المحلفين إلى الانسحاب للمداولة، لينطق القاضي محمد رقاد نحو الساعة العاشرة والنصف بقرار التأجيل الذي نزل كالصاعقة على المتهمين الذين كانوا يريدون المحاكمة وينتظرونها منذ خمس سنوات ونصف. وبرر القاضي القرار بغياب 29 شاهدا عن الجلسة.
شايب صادق: “أكثر من خمس سنوات حبسا احتياطيا غير منصف”
قال رئيس الاتحاد الولي للمحامين سابقا، شايب صادق، إن قرار تأجيل القضية لم يكن منتظرا، لكن المحامين يحترمون قرار المحكمة، مذكرا في السياق بضرورة احترام مبدإ قرينة البراءة لأنه مبدأ أساسي في العدالة والحكم بالإفراج على المتهمين الموقوفين منذ خمس سنوات ونصف. وأكد الأستاذ شايب على أن النيابة العامة لم تطبق قرار المحكمة بإحضار الشهود واستدعائهم. وهو السبب الذي جعل المحكمة تقرر تأجيل القضية لتجنب الوقوع في إشكال قانوني أثناء المحاكمة.
مقران آيت العربي: “لا يهمنا رمضان ولا العيد.. من حق المتهمين المحاكمة”
رافع الأستاذ مقران آيت العربي في طلباته للإفراج عن موكليه مغاوي الهاشمي، إطار بالقرض الشعبي سابقا، وابنه مغاوي يزيد الموجودين رهن الحبس المؤقت منذ خمس سنوات ونصف بسبب قضية “سوناطراك1″، على أهمية تطبيق شروط المحاكمة العادلة، التي قال إنها لا يمكن أن تتوفر في الجزائر ما لم يتم حل إشكالية “الحبس الاحتياطي“. وذكر آيت العربي بأن الجزائر تصادق على المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان لكنها لا تطبقها، ليقول: “كنا نريد اليوم محاكمة المتهمين“. وواصل كلامه: “لا يهمنا لا رمضان ولا العيد ولا العواشير لأن القضية تتعلق بحرية أشخاص يقبعون في السجن منذ خمس سنوات ونصف“.
وتساءل المحامي: “أليس من حق مغاوي الهاشمي وابنه أن يحاكما بعد خمس سنوات ونصف؟“، مشيرا في السياق إلى أن المتهمين السبعة قضوا أكثر من نصف العقوبة وهم في الحبس المؤقت. وقال: “سأحتج أمام المحكمة الموقرة إما أن يحاكم موكلاي أو يتم الإفراج عنهما“. وأكد آيت العربي على أن مغاوي الهاشمي هو إطار في الدولة مختص في المالية والاقتصاد لديه كل الضمانات للتقدم أمام المحكمة. وأضاف: “هل يعقل أن يعيش أب وابنه في زنزانة واحدة لخمس سنوات ونصف؟” وقال المحامي إن تأجيل الملف كان بإيعاز من أطراف في السلطة حتى لا يتزامن مع ملف قضية الخليفة.
شنايف فاطمة: “موكلي عوقب قبل أن يحاكم”
أشارت الأستاذة شنايف فاطمة خلال مطالبتها بالإفراج في حق موكلها زناسني بن عمر، إطار بسوناطراك، إلى أن موكلها عوقب قبل أن يحاكم، وهذا بسبب بقائه في السجن لخمس سنوات ونصف دون محاكمة، لتؤكد على أن موكلها إطار قضى 42 سنة من حياته في خدمة سوناطراك ولديه كافة الضمانات للمثول أمام المحكمة في الدورة المقبلة.
ومن جهته المحامي خالد دهينة التمس الإفراج لموكله “أل إسماعيل رضا“، مشيرا إلى أنه طلب الإفراج عدة مرات أثناء التحقيق وتم رفضه، ليخاطب هيئة المحكمة: “لكم السلطة الكاملة للنظر في وضعية هؤلاء المتهمين وهل نحن بصدد حكم مسبق أم حبس مؤقت؟“.
واعلي نصيرة: “ما يحدث مناقض لتصريح وزير العدل”
استعانت المحامية واعلي نصيرة المتأسسة في حق أل إسماعيل رضا بتصريح وزير العدل الطيب لوح الأخير الذي قال فيه: “إنه من المستحيل أن يبقى متهم خمس سنوات في السجن دون محاكمة” لتوجه كلامها إلى قاضي الجنايات: “المتهمون في قضية سوناطراك أمضوا خمس سوات و6 أشهر في الحبس الاحتياطي دون محاكمة؟” وذكرت هيئة المحكمة بأن موكلها إسماعيل جعفر هو شاب جزائري استثمر أمواله في الجزائر وجلب الأجانب للاستثمار. وكان يشغل أكثر من 500 عامل، ولم يفكر يوما في مغادرة الجزائر، لتقول: “ثقة موكلي في العدالة قوية وما يريده هو المحاكمة وكشف براءته” لتطالب بالإفراج عن موكلها إلى غاية جلسة المحاكمة.
بوشاشي مصطفى: “ما معنى قانون الإجراءات الجزائية دون تطبيق”
خاطب الأستاذ بوشاشي مصطفى المتأسس في حق المتهم إسماعيل رضا ضمير محكمة الجنايات، مطالبا بإنصاف إطارات الجزائر الذين يقبعون في السجن منذ خمس سنوات ونصف، وتساءل عن جدوى وجود قانون الإجراءات الجزائية دون تطبيقه، معتبرا أن ما يحدث غير طبيعي، حيث يتكلم القانون، حسبه، عن المدة القصوى للحبس المؤقت التي لا تتجاوز 20 شهرا، في حين يقبع موكله وهو شاب جزائري ليست له أي سوابق مدة خمس سنوات و6 أشهر دون محاكمة. وأضاف بوشاشي: “هل يدرك المجلس أن الحبس يؤثر في الأحكام القضائية؟“. وأردف: “حرية الناس شيء مقدس“. وأضاف: “ما هو المبرر لإبقاء موكلي في السجن بعد حجز جميع ممتلكاته واستكمال التحقيق في الملف؟“. ليخاطب المحكمة: “أنادي فيكم الضمير لتطبيق القانون والنطق بالإفراج“.
شياط حسين: “كنا نريد المضي في المحاكمة”
تأسف المحامي شياط حسين المتأسس للدفاع في حق ابني الرئيس المدير العام الأسبق لسوناطراك محمد مزيان “فوزي” و“رضا“، الموجودين رهن الحبس المؤقت منذ 13 جانفي 2010 على قرار محكمة الجنايات تأجيل القضية إلى الدورة المقبلة. وطالب في السياق بالإفراج عن موكليه اللذين يعاني واحد منهما من داء السكري؟ ليعلق القاضي بالقول: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم“، في إشارة منه إلى أن التأجيل قد يكون لصالح المتهمين، غير أن الأستاذ شياط ذكره بفحوى قانون الإجراءات الجزائية التي تقول إن الحبس الاحتياطي لا يتجاوز 20 شهرا. وذكر هيئة المحكمة بوضعية عائلة مزيان، حيث يتابع والدهما في القضية إلى جانبها وتوفيت والدتهما وجدتهما وهما في السجن.
وإلى ذلك، رافع الأستاذ مراح يوسف لصالح موكله مزيان فوزي، مطالبا بتطبيق المادة 123 من قانون الإجراءات الجزائية، والإفراج عن موكله بعد انتهاء كافة مراحل التحقيق وبقوة القانون، وهذا بعد تجاوزهم المدة القانونية للحبس المؤقت. وهو نفس ما أكده المحامي براهيمي محمد الهادي الذي أكد على أن موكله فوزي لم يكن مجرما فارا ومثل منذ أول استدعاء للضبطية القضائية ولديه حاليا كل الضمانات للتقدم أمام المحكمة.
لا يوجد في الملف ما يبرر الإبقاء على المتهمين داخل السجن
أكد الأستاذ ازغوال عبد العزيز خلال تقدمه بطلب الإفراج عن المتهم بلقاسم بومدين، نائب الرئيس المدير العام لسوناطراك، على أنه لا يوجد في الملف ما يبرر الزج بالمتهمين وإلى جانبهم موكله بومدين بلقاسم في السجن لخمس سنوات ونصف. وقال: “أحاول كل مرة أن ألمس ما يقال عن إصلاح العدالة أثناء المحاكمات لكني لم أجدها“. وأضاف: “ما بين الخطاب والواقع هناك تباعد واضح“. وأردف: “حرية هؤلاء البشر مقدسة لكن الواقع يثبت عكس ذلك“. وأشار في السياق إلى أن موكله إطار جزائري في “أسمى شركة تغذي الجزائريين“، كما وصفها المحامي، معتبرا أن موكله رفض السفر إلى الخارج وكل المغريات وفضل البقاء لخدمة بلاده والعمل في “سوناطراك“، والآن، يقول، هو يقضي عقوبة مسبقة دون محاكمة. ويقول الأستاذ إزغوال، مخاطبا هيئة محكمة الجنايات: “إذا النفس البريئة سئلت بأي ذنب سجنت؟” مطالبا بالإفراج وإنصاف موكله.
ومن جانبه، الأستاذ مدني عبد الحق اعتبر أن موكله بومدين بلقاسم تمت إدانته قبل المحاكمة ببقائه في الحبس المؤقت، ليعلق على كلام القاضي الذي قال فيه بخصوص التأجيل “عسى أن تكرهوا شيئا” بالقول: “سيف الظلم على رقاب المدانين“، مشيرا إلى أن الحبس المؤقت يتنافى ومبدأ قرينة البراءة.
وهو نفس ما أكده المحامي دغنوش عمر في طلباته للإفراج في حق موكله مزيان رضا، حيث عدد بالأيام والشهور المدة التي قضاها موكله في السجن وقال: “موكلي قضى خمس سنوات ونصفا، أي 66 شهرا، أي 1980 ليلة“. واعتبر أنه سبق لقاضي التحقيق أن رفض الإفراج في بداية التحقيق بسبب أنه لا يزال قيد الإنجاز، وبعدها رفضته غرفة التهام بسبب الإنابات القضائية، متسائلا عن سبب رفض الإفراج الآن مع حرمان موكله؟ ليؤكد على أن الجزائر صادقت على أربع اتفاقيات دولية تكرس حقوق الإنسان، لكن، يقول، التطبيق غير موجود.
النيابة ترد بقوة: 40 مليون جزائري ضاقوا ذرعا بالفساد
رد ممثل النيابة العامة بقوة على مرافعات المحامين لطلب الإفراج في حق موكليهم بعد تأجيل القضية، فقال: “أنتم المحامون تقولون إنكم تعبرون عن غضبكم لوجود موكليكم في الحبس؟ وأنا هنا ممثل الحق العام، حلقة الوصل بين المجتمع والمحكمة“. وواصل كلامه: “ومن يعبر عن غضب المجتمع من الفساد؟“ وأردف: “40 مليون جزائري ضاقوا ذرعا من تفشي الفساد والعبث بالمال العام. فمن يا ترى يغضب لهم؟“
وخاطب النائب العام هيئة المحكمة، مطالبا بالرجوع إلى نص المادة 284 من قانون الإجراءات الجزائية التي يتلوها القاضي على المحلفين قبل أدائهم اليمين، والتي تقول في فحواها “أن يحترموا حقوق المتهم وألا يخونوا عهود المجتمع” ليوجه كلامه إلى القاضي: “هيئة محكمة الجنايات مهمتها أن تنصف المجتمع وألا تخون هذا العهد“. وأضاف: “المجتمع الجزائري الذي يقول كفانا فسادا من يدافع عنه؟” ليقول النائب العام: “إذا كانت حقوق المتهمين مقدسة فحقوق الشعب الجزائري ومال الدولة مقدس ولهذا أعترض على طلب الإفراج“، ليتدخل الأستاذ بوشاشي مصطفى قصد تذكير النائب العام بأنهم بصدد مناقشة القانون والإفراج لا الموضوع ولا مجال للحديث عن الفساد في هذا المقام، قائلا: “نحن لسنا في محاكمة المتهمين في الموضوع بل نريد إذا كان قانون الإجراءات الجزائية مطبقا والأصل فيه الحرية“، لتدخل هيئة محكمة الجنايات للمداولة دون إشراك المحلفين، حيث رفضت المحكمة طلبات الإفراج عن المتهمين السبعة الموقوفين في القضية.